المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا لو واجهتك هذه الأسئلة عن ثورة الإمام الحسين (ع) ؟


المحايد
20-01-2008, 07:57 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اللهم صل على محمد و آل محمد

هذه مجموعة من الأسئلة التي قد تواجهنا و إليكم الإجابات الشافية

سؤال 1 لماذا لم يستلم مسلم بن عقيل الكوفة ؟ ولِمَ لم يقتل ابن زياد عندما زار هذا عبد الله بن شريك الأعور ؟


الجواب: أما أنه لماذا لم يستلم مسلم الكوفة بأن يقوم مثلا بعمل انقلاب عسكري ويسيطر عليها فلأمور :

1- ما ذكره بعض العلماء من أن مهمته التي كلف بها لم تكن إلى هذا الحد ، وذلك أن الإمام الحسين عليه السلام قد عين وظيفته في رسالته التي أرسلها معه إلى الكوفة وأهلها فقال :إلى هذا الحد ، وذلك أن الإمام الحسين عليه السلام قد عين وظيفته في رسالته التي أرسلها معه إلى الكوفة وأهلها حيث كتب :

من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين . أما بعد : فإن ( فلانا وفلانا ) قدما علي بكتبكم ، وكانا آخر رسلكم ، وفهمت مقالة جلكم : أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله(1). وبهذا يتبين أن وظيفة مسلم بن عقيل لم تكن السيطرة على الكوفة عسكريا عن طريق القيام بانقلاب مثلا ، أو البدء في حرب مع أنصار بني أمية . وإنما كانت مهمته أشبه بالاستطلاعية لكي يرى هل الواقع يتطابق مع ما هو مذكور في رسائل القوم ؟ أو أنه يختلف ؟ وأن عليه أن يكتب للإمام عليه السلام ما يرى ويشاهد ، حتى يقرر الإمام عليه السلام ما هو لازم بحسب خبره . وقد قام مسلم بما طلب منه وبالفعل فقد أرسل إلى الإمام الحسين عليه السلام ، بما رأى من اجتماعهم على بيعته وأرسلها إليه مع عابس بن أبى شيبب الشاكرى ( .. أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام (2) ) .

2- يحتمل أيضا أن الأمور جرت بنحو فوجئ به مسلم حيث أنه بعدما بايعه ثمانية عشر ألفا وكان الناس في رأيه وكما تشير إليه ظواهر الأمور ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى ، فإن ذلك كان يمثل تطمينا بالنسبة له ، لكي لا يبدأ في عملية انقلابية ، إضافة إلى ما ذكر سابقا . وكان قدوم عبيد الله بن زياد بتلك السرعة متخفيا يمثل عنصر المفاجأة التي لم تكن محسوبة بهذه السرعة .

لقد كانت السيطرة على الوضع ـ بحسب الظاهر ـ في الكوفة تامة لمسلم ، ولأشياعه .. فالنعمان بن بشير الأنصاري لم يشأ الاصطدام العنيف بمسلم ، واكتفى بسيطرته على القصر ، والناس كانوا يرغبون ـ ولو على مستوى الرغبة الداخلية والنفسية ـ في تغيير الوضع القائم ، لكن الذي غيّر الأمور بشكل كامل هو مجيء بن زياد غير المتوقع أصلا ، وذلك أنه كان على خلاف مع يزيد ، ولم يكن يزيد في بداية أمره يميل إليه . لكن اقتراح سرجون بن منصور الرومي(3) ، المسيحي الذي كان مستشارا لأبيه ثم مستشارا له بأن يرسل إلى الكوفة بن زياد خلط الأمور وغيّر المعادلة . وكان الأمر بهذا النحو وبهذه السرعة مفاجئا حتى بالنسبة للنعمان بن بشير الذي قال لابن زياد لما طرق باب القصر : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يا ابن رسول الله !!

وأما أنه كيف تمت السيطرة على الأمور بهذه السرعة لصالح بني أمية ، فذلك لأنه في أوقات الأزمات الاجتماعية لا يمكن أن يبقى الانتظار سيد الموقف للأخير ، وصاحب المبادرة هنا والاقتحام ولو كان من أهل الباطل هو الذي يأخذ بزمام الأمور فيفرض على المجتمع ، ولو لمدة ، ما يريد . والمتتبع للتاريخ منذ ما بعد رسول الله وإلى أيام الأمويين والعباسيين يرى هذا بوضوح .. فضلا عن التاريخ الإنساني العام .

أما بالنسبة إلى قتل ابن زياد ، فقد ذكرت أمور لامتناع مسلم عن القيام بذلك :

1ـ الناحية الأخلاقية والشرعية : فإنه قد ذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن ( الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم ) (4)، وفي هذا تعليم هام لجميع المسلمين أن لا يتجاوزوا في صراعاتهم للقواعد الشرعية ، فلأن يكون هدفك شريفا وساميا يتطلب منك وسيلة وأسلوبا متناسبا مع ذلك الهدف .. ولا تبرر أهمية الهدف استخدام الوسائل السيئة ، وهذا ما عرف اليوم بأن الغاية أي الهدف الجيد لا تبرر الوسيلة ( السيئة ) .
وهذا ما عرف به أهل البيت عليهم السلام في طريقتهم في العمل ، وفي طليعتهم أمير المؤمنين عليه السلام ، فهو لا يغدر ولا يفجر ، وإن انتهى حفاظه على القيم إلى أن ينهزم في الظاهر ، ويفوز عدوه الذي لا يلتزم بأخلاق في صراع فهو لا يطلب النصر بالجور والغدر ( والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرة كفرة . ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة .. ) (5)وربما يفوز هذا الثاني لفترة مؤقتة ولكن النصر النهائي هو لصاحب المنهج الأخلاقي . وربما تقول : إذاً كيف أمر هاني ( أو شريك ) بذلك وهو أيضا من شيعة أهل البيت عليهم السلام ومن كبارهم ؟ والجواب على ذلك : هو أن ( هاني ) قد نفى أن ينطبق ذلك الحديث عليه ، فقال : إنما الممنوع هو الفتك بالمسلم بينما ابن زياد في نظره ليس بمسلم بل كافر فاجر .. وسيأتي بعد هذا ذكر ما نقله التاريخ عن الواقعة .
2- كراهية هاني بن عروة أن يتم ذلك الأمر في بيته ، فإنه بحسب منطق صفات رؤساء القبائل وهاني بن عروة واحد منهم ، لم يكن يريد أن يعرف عنه وعن قبيلته أنه يغدرون بمن يأتيهم ، حتى لو فرض أن هناك استثناء في مسألة الفتك ، ولقد لاحظ مسلم بن عقيل هذه الرغبة ، فلم يشأ أن يتم هذا العمل في بيته مع كراهيته . فقد نقل أبو مخنف حادثتين أعرب فيهما هاني عن كراهية قتله في بيته .. فقد قال ابو مخنف أنه :

...مرض هاني بن عروة فجاء عبيد الله عائدا له ، فقال له عمارة بن عبيد السلولي : انما كيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك الله منه فاقتله ، قال هاني : ما أحب أن يقتل في داري . فخرج فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الاعور وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء ( وكان شديد التشيع ) فأرسل إليه عبيد الله اني رائح اليك العشية .

فقال لمسلم : ان هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس احد يحول بينك وبينه ، فان برئت من وجعى هذا أيامى هذه سرت إلى البصرة وكفيتك امرها ، فلما كان من العشي اقبل عبيد الله لعيادة شريك .

فقام مسلم بن عقيل ليدخل وقال له شريك : لا يفوتنك إذا جلس ، فقام هاني بن عروة إليه فقال : اني لا احب أن يقتل في داري كأنه استقبح ذلك ، فجاء عبيد الله بن زياد فدخل فجلس فسأل شريكا عن وجعه وقال : ما الذي تجد ومتى اشتكيت ، فلما طال سؤاله إياه ورأى أن الآخر لا يخرج خشي أن يفوته فأخذ يقول :

ما تنظرون بسلمى أن تحيوها ؟ أسقنيها وان كانت فيها نفسي !! فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ، فقال عبيد الله ولا يفطن ما شأنه : أترونه يهجر ؟ فقال له هاني : نعم أصلحك الله ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه . ثم انه قام فانصرف ، فخرج مسلم فقال له شريك ما منعك من قتله ؟

فقال : خصلتان أما إحداهما فكراهة هاني ان يقتل في داره ، واما الاخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ان الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن ، فقال هاني : اما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ...ولبث شريك بن الاعور بعد ذلك ثلاثا ثم مات .

1 - إعلام الورى بأعلام الهدى 1-436

2 - الطبري ج 4 ص 281

3 - تاريخ الطبري ج 4 ص 258 : .. فدعا مولى له يقال له سرجون وكان يستشيره فأخبره الخبر فقال له أكنت قابلا من معاوية لو كان حيا ؟ قال : نعم ! قال : فاقبل منى فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد فولها إياه وكان يزيد عليه ساخطا وكان هم بعزله عن البصرة فكتب إليه برضائه وإنه قد ولاه الكوفة مع البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده . قال فأقبل عبيدالله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثما ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا : عليك السلام يا ابن بنت رسول الله وهم يظنون أنه الحسين بن على عليه السلام حتى نزل القصر..

4 - قد روي هذا الحديث في كثير من مصادر الفريقين بهذا اللفظ في مناسبات مختلفة : ففي المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 644 : قال : جاء رجل إلى الزبير أيام الجمل ، فقال : أقتل لك عليا ، قال : وكيف ؟ قال : آتيه فأخبره أني معه ثم أفتك به ، فقال الزبير : لا ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ( الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن ). وفي مسند أحمد إن معاوية دخل على عائشة فقالت له : أما خفت أن أقعد لك رجلا يقتلك ؟ فقال : ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان ، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول . يعني : الإيمان قيد الفتك .. وفي مسند الشاميين للطبراني ج 3 ص 350 :عن عمرو بن الحمق ، عن النبي ( ص ) قال : ( الإيمان قيد الفتك ، من أمن رجلا على دمه فقتل فأنا من القاتل برئ وإن كان المقتول كافرا ) . وفي مناقب آل ابي طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 364 :عن أبي الصباح الكنانى : قلت لابي عبد الله : ان لنا جارا من همدان يقال له الجعد بن عبد الله يسب أمير المؤمنين أفتأذن لي أن أقتله ؟ قال : ان الإسلام قيد الفتك .. والعجيب أن معاوية الذي يروي الحديث المتقدم وأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله مارس سياسة الفتك والقتل غيلة كما لم يمارسها أحد قبله ، إلى أن كان يفتخر بقوله ( إن لله جنودا من عسل ) !! وعلى هذا النهج سار ابنه يزيد فقد أرسل كما تقول بعض الروايات التاريخية ثلاثين رجلا ، وأمرهم بقتل الحسين غيلة في مكة ، ولو كان في البيت الحرام .

5 - نهج البلاغة .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
20-01-2008, 08:01 PM
تابع

سؤال2: هل كان الحسين عليه السلام يعلم بمقتله أم لا ؟ والأمر نفسه بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن كان يعلم فهو إلقاء بالنفس في التهلكة ، وإن كان لا يعلم فكيف يمكن تفسير ما يذكر على المنابر من أقوال تفيد علمها عليهما السلام بمقتلهما ؟

الجواب: بالرغم من أن هذا البحث طويل الذيل ، وفيه بعض الجوانب التخصصية ، إلا أننا سوف نسعى بمقدار ما يمكن لتبسيط الجواب ، وذكر أهم أجوبة العلماء في المسألة ثم نركز على الجواب الأسلم بينها :
فقد سئل الشيخ المفيد رضوان الله عليه عن ذلك وأجاب بما يلي :

1- إن إجماع الشيعة قائم على علم الإمام بالحكم في كل ما يكون ، دون أن يكون علما بأعيان ما يحدث تفصيلا ( أي أن إجماع الشيعة منعقد على علمهم التفصيلي بالأحكام ولا إجماع على ذلك في المواضيع ) ، ولا نمنع علمه بذلك باعلام الله له .

2- علم الإمام بقاتله وعلمه بأنه مقتول لا شك فيه ، وأما علمه بوقت قتله فلم يثبت بأثر( أو خبر تام ) .

3- لو أتى عليه أثر لم يكن مشكلا حيث لا نمنع أن يتعبده الله بالصبر والاستسلام ليبلغ من المرتبة ما لا يبلغه إلا به(1) .

وأما جواب الشيخ الطبرسي : إن فعله يحتمل وجهين أحدهما : إنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والآخر : إنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله ال***** ابن زياد صبرا ، كما فعل بابن عمه مسلم ، فكان القتل مع عز النفس والجهاد ، أهون عليه .

أما العلامة المجلسي فقد نقل جواب العلامة الحلي رضوان الله عليهما من المسائل المهنائية فقال ـ في جواب عن مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ـ ( ويلاحظ أن كلا جوابيه ينتهيان إلى أجوبة الشيخ المفيد ) :

* بأنه يحتمل أن يكون عليه السلام اخبر بوقوع القتل في تلك الليلة ، ولم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أو أي مكان يقتل . ( وهذا الجواب هو نفس جواب الشيخ المفيد في أنه لا يعلم على نحو التفصيل بلحظة المقتل ) .

* وأن تكليفه عليه السلام مغاير لتكليفنا ، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى ، كما يجب على المجاهد الثبات ، وإن كان ثباته يفضي إلى القتل(2).

لكن الذي يظهر من السيد المرتضى رحمه الله أن الحسين عليه السلام ربما كان يشاهد لوائح النصر وعلامات النجاح في الثورة ، وهذا الذي دفعه إلى التحرك والإقدام . فقال :

قد علمنا أن الإمام متى غلب في ظنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل ، وجب عليه ذلك وان كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها تحملها ، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالبا للكوفة الا بعد توثق من القوم وعهود وعقود ، وبعد ان كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين.(3).

ثم قال ما حاصله : أن الأمور قد سارت فيما بعد على خلاف هذا الظن ، وأن الاتفاق السيء قد عكس هذا الأمر وقلبه حتى تم فيه ما تم . ثم صار بين أن يكون آخر أمره إلى الذل وربما صار مع ذلك إلى القتل من قبل عبيد الله بن زياد ، وبين أن يلجأ إلى المحاربة والمدافعة ، فاختار الشهادة والسعادة ..

هذا الذي ذكره رضوان الله عليه يشم منه عدم علم الإمام عليه السلام بمصرعه ، وهو خلاف ما يذكره التاريخ ، والروايات ، ولذا فقد رد السيد محسن الأمين رحمه الله في كتابه لواعج الاشجان بنحو مفصل ذاكرا الشواهد التاريخية على علم الإمام بمصرعه من كلمات الإمام وغيرها فقال :

ومما يدل على ان الحسين عليه السلام كان موطنا نفسه على القتل وظانا أو عالما في بعض الحالات بأنه يقتل في سفره ذلك :

* خطبته التي خطبها حين عزم على الخروج إلى العراق التي يقول فيها خط الموت على ولد آدم ...الخ فان أكثر فقراتها يدل على ذلك .

* ونهي عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام له بمكة عن الخروج وإقامته البرهان على ان ذلك ليس من الرأي بقوله انك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه وعدم اخذ الحسين عليه السلام بقوله مع اعتذاره إليه واعترافه بنصحه .

* ونهي ابن عباس له ايضا محتجا بنحو ذلك من ان الذين دعوه لم يقتلوا اميرهم وينفوا عدوهم ويضبطوا بلادهم .

* وجوابه لمحمد بن الحنفية حين أشار عليه بعدم الخروج إلى العراق فوعده النظر ثم ارتحل في السحر فسأله ابن الحنفية فقال له الحسين عليه السلام أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك فقال يا حسين اخرج فأن الله قد شاء ان يراك قتيلا قال ما معنى حملك هذه النسوة معك قال ان الله قد شاء ان يراهن سبايا(4).

* وقول " ابن عمر له حين نهاه عن الخروج فأبي انك مقتول في وجهك هذا فأنه دال على ان ظاهر الحال كان كذلك وما ظهر لابن عمر ما كان ليخفى على الحسين عليه السلام " وقول " الفرزدق له قلوب الناس معك واسيافهم عليك .

* وقول " بشر بن غالب له اني خلفت القلوب معك والسيوف مع بني امية وتصديق الحسين عليه السلام له .
* ونهي " عبد الله بن جعفر له وقوله إني مشفق عليك من هذا الوجه ان يكون فيه هلاكك واستئصال اهل بيتك وقول الحسين عليه السلام له اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وامرني بما انا ماض له وامتناعه من أن يحدث بتلك الرؤيا " وما " رآه في منامه بالثعلبية " وقوله " لابي هره وايم الله لتقتلني الفئة الباغية " " وقوله " لاصحابه حين جاءه خبر مسلم وهاني وعبد الله بن يقطر انه قد خذلنا شيعتنا فمن احب منكم الانصراف فلينصرف وقول الحسين عليه السلام له ليس يخفى على الرأى ولكن الله تعالى لا يغلب على امره وقوله عليه السلام والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي " وقوله عليه السلام وايم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني .

* وكتابه الذي كتبه إلى بني هاشم حين توجه إلى العراق اما بعد فأنه من لحق بي استشهد ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح .. إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع المتأمل وهذه كلها ما بين صريح أو ظاهر في المطلوب .
ثم إنه نقل ما ذكره السيد بن طاووس فقال: وإلى هذا الذي ذكرناه ذهب ابن طاوس عليه الرحمة ايضا في اللهوف حيث قال الذي تحققناه ان الحسين عليه السلام كان عالما بما انتهت حاله إليه وكان تكليفه ما اعتمد عليه ثم اورد بعض الاخبار الدالة على ذلك ثم قال لعل بعض من لايعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة يعتقد ان الله لايتعبد بمثل هذه الحالة ورده بأن الله تعالى تعبد قوما بقتل انفسهم فقال ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) .انتهى كلام السيد الأمين .

فتحصل : أن التوجيه للمسألة بعدم علم الإمام بمصرعه ، لا ينسجم مع ما هو المختار والمشهور من علمهم صلوات الله عليهم . وتوجيهها بعدم وجود أخبار أو آثار أيضا لا يتفق مع المعروف تاريخيا . فيبقى توجيهه مع فرض العلم بالمصرع . وفيه إما أن ينفى انطباق عنوان التهلكة عليه ، فإن التهلكة بالمعنى الأخروي يعني السير في طريق لا يرضى به الله ومن المعلوم أن الطريق الذي سار عليه الحسين كان في رضا ربه .
بل حتى التهلكة بالمعنى الدنيوي أي فقدان الحياة فهي غير مرفوضة لو ترتب عليها فوائد عظيمة ، فلا تعد عند العقلاء ولا عند الشرع خسارة لو كان في مقابلها شيء عظيم ، ومن المعلوم عظمة الفوائد التي ترتبت على شهادة الإمام عليه السلام .

بل يقال أنه لا مانع أن يتعبد الله قوما بامتحان أعظم لينالوا من المراتب(5) ما لا يناله غيرهم فيقدمون على الموت إذا كان ذلك في رضا الله ، مع علمهم بأن هذا الطريق ينتهي إلى موتهم ، وهذا في أمور الجهاد واضح حيث تجتمع من القرائن لدى الذاهب إلى القتال ما يعلم ـ علما عاديا متعارفا ـ أنه سيقتل . ومع ذلك يذهب ، بل هناك حالات يكون غيره يعلم بموته أيضا فضلا عنه ، كما نقل أن الرسول لما وجه المسلمين لمقاتلة الروم في مؤتة ، قال : إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعلى الناس عبد الله بن رواحة .. فعلم المسلمون أنهما يقتلان .

وإنها لمنزلة عظيمة أن يعلم الانسان أنه مقتول في طريق الله ومع ذلك يختار ما عند الله سبحانه .

* و ألا يُعد ذلك إلقاءا بالنفس في التهلكة ؟

الجواب : إنه في البداية ينبغي أن يُعرف معنى التهلكة ، ثم يتم على ضوء ذلك تحديد أن العمل الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام هل يدخل فيها أو لا يدخل ؟ أولا هذه الكلمة وردت مرة واحدة في القرآن الكريم فقط ، وهي في سورة البقرة آية 195 ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا إن الله يحب المحسنين )

تابع
تحياتي المحايد

المحايد
20-01-2008, 08:02 PM
وقد ذكر الشيخ الطوسي في التبيان المعاني المتصورة في الآية فقال : ج 2 ص 152 :

قيل في معنى الاية وجوه :

أحدها - قال الحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، والضحاك ، وهو المروى عن حذيفة ، وابن عباس : إن معناها " لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " بالامتناع من الانفاق في سبيل الله .

الثاني - ما روي عن البراء ابن عازب ، وعبيدة السلماني : لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة.

الثالث - ما قال البلخي ، من أن معناها : لا تتقحموا الحرب من غير نكاية في العدو ، ولا قدرة على دفاعهم . والرابع - ما قاله الجبائي لا تسرفوا في الانفاق الذي يأتي على النفس .

ثم قال الشيخ والاولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك .

أقول : تارة يراد تأويل الآية وتطبيقها على المصاديق المختلفة ، فيصح ما ذكر ، وغيره كما أن الإمام الباقر عليه السلام قد طبقها على العدول عن ولاية أهل البيت عليهم السلام ، وكل ذلك صحيح ، فلا مانع من الجري والانطباق لآية على مصاديق كثيرة ، وتارة يراد تفسيرها فيكون الصحيح هو ما ذكر من أنه أنفقوا ولكن لا تهلكوا أنفسكم بكثرة الانفاق ، وإنما يجب أن يكون الانفاق بنحو الاحسان وهو حد وسط بين الاسراف والكثرة وبين التقتير ومسك اليد ، وشاهد ذلك أن طرفي الآية من الصدر والعجز ظاهران في الانفاق فلا بد أن يكون الوسط وهو ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) كذلك .

وعلى هذا فالمقصود هنا هو التهلكة الدنيوية . بمعنى أن نظام حياتكم ينبغي أن يكون قائما على أساس الاعتدال .

وأما بناء على المعنى الآخر فالمقصود هو التهلكة الأخروية ، أي أن لا يحصل منكم عمل ينتهي إلى الهلاك الأخروي وسوء العاقبة عند الله سبحانه ، بأن تتركوا ولاية أهل البيت أو تقوموا بالمعاصي ، وما شابه .

والمعنى الأول لا يرتبط بقضية الإمام الحسين عليه السلام ، كما أن المعنى الثاني غير معقول في حقه ، فإن معناه أن لا يعمل المرأ عملا يؤدي به إلى الهلاك والدخول في نار جهنم فلا بد أن يقوم بعمل ينتهي إلى النجاة و وليس سوى الطاعة ، والحسين لم يفعل إلا طاعة الله .وأي طاعة أفضل من أن يقتل المرء في سبيل الله ؟

ثم إننا " لو تنزلنا وقلنا بحرمة التهلكة فإنما تصح لو كانت بلا عوض ، وأما التهلكة التي يعوض فيها الانسان بأسمى أنواع العوض والأجر فليست سيئة كما هو الحال في نظر الناس . فالتضحية لأجل الدين وهي هلكة بمعنى الموت ليست قبيحة في نظر العقل ..

ورابعا: أنه في الفقه الإسلامي ليست كل تهلكة حراما ، بل لو كانت الآية عامة أو مطلقة فهي مقيدة بما دل على الجهاد بقسميه ، و ( سيد الشهداء ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله ..) ، ومثل تسليم المجرم نفسه للقضاء الشرعي ليقام عليه حد الرجم أو الجلد أو القطع "(6) .

ولو كان قيامه صلوات الله عليه وشهادته تهلكة ، لكانت حركات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التاريخ الإسلامي كلها تهلكة ، ولتم حذف كل أبواب الجهاد وأحاديثه من كتب المسلمين ، فإن الجهاد ملازم للموت والهلكة الدنيوية ، ولكن فيه الحياة الأخروية الباقية والخالدة .

1 - المسائل العكبرية 71
2 - بحار الانوار 42- 259
3 - تنزيه الأنبياء 227
4 - سوف يأتي جواب عن هذه الكلمات فانتظر .
5 - روى الشيخ الصدوق في الأمالي أن الحسين لما غفى على قبر جده ، ورآه في المنام قال له النبي صلى الله عليه وآله : إن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة . ونقل الشيخ الطوسي في الأمالي : عن أبي عبد الله وأبي جعفر : إن الله عوض الحسين من قتله بأن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره . . ( وهذا المعنى ورد كثيرا في زيارات الحسين عليه السلام ) .
6 - أضواء على ثورة الحسين - للشهيد الصدر

يتبع

تحياتي المحايد

رسامة
20-01-2008, 09:02 PM
مشكور على هذا الموضوع وسلمت وسلمت اناملك الذهبية
رسامة

صمت الجورح
20-01-2008, 10:13 PM
اللهم صلى على محمد وال محمد وعجل فرجهم


الله يعطيك الف الف العافيه

على معلومات اكثر من رووعه

سلمت لايادي

جزاك الله خير


الله لايحرمنا من جديدك

المحايد
21-01-2008, 12:00 AM
و عليكم السلام

رسامة

صمت الجورح

لا عدمنا هذا التواجد

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:09 AM
تابع



سؤال3 : مقالة الحسين للحر الرياحي : ثكلتك أمك .. هل تناسب مقام الإمامة ؟



الجواب: أصل الحادثة كما نقلها المؤرخون جرت لما التقى الحر بن يزيد الرياحي مع الإمام الحسين عليه السلام في الطريق إلى كربلاء . فقد نقل الطبري في تأريخه ، أنهما لما التقيا وأقيمت صلاة الظهر ، قام الإمام الحسين عليه السلام خطيبا فقال :

أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولايته هذا الامر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أنتم كرهتمونا وجعلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم .

فقال له الحر بن يزيد : إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التى تذكر!

فقال الحسين : يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي ! فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيدالله ابن زياد ! فقال له الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك . ثم قال لاصحابه قوموا فاركبوا فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم ، فقال لاصحابه انصرفوا بنا فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك ما تريد ؟

قال : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان ولكن والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه(1).. انتهى ما نقله الطبري .

والثكل يعني فقد الولد .

ويبدو أن قسما من الكلمات تتأثر في معناها المتبادر إلى الذهن العام بالزمان ، فقد يكون لفظ عندنا اليوم مستنكرا بينما هو في زمان آخر ، ليس بتلك الصورة من الاستنكار . ومن ذلك الكلمة المذكورة ، أو قولهم قاتله الله فإنها اليوم كلمات مستنكرة بينما لم تكن كذلك في الزمن السابق ، وإلى ذلك أشار ابن الأثير في كتابه النهاية فقال : يجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء ، كقولهم تربت يداك ، وقاتلك الله .

ونحن نلتقي في سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، مع أصحابه بهذه الكلمات كما نقل عنه في روايات الجمهور ففي مسند أبي داود الطيالسي روي عن رسول في حديثه مع معاذ : ...فقال : يا رسول الله قولك أولا أدلك على أملك ذلك كله ؟ فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى لسانه . فقلت يا رسول الله وإنا لنؤاخذ بما نتكلم بألسنتنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ؟


و نجد أمير المؤمنين عليه السلام يتحدث عن أخيه عقيل ، فيقول له ذلك كما في نهج البلاغة :

(.. وعاودني مؤكدا . وكرر علي القول مرددا ، فاصغيت إليه سمعي ، فظن أني أبيعه ديني ، وأتبع قياده مفارقا طريقتي ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبربها ، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها . فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها انسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ، أتئن من الاذى ولا أئن من لظى .. )

هذه الشواهد وهي غيض من فيض تشير إلى أن هذه الكلمة في ذلك الوقت لم تكن تعطي المعنى الذي يتبادر إلى الذهن اليوم .

بل حتى لو فرضنا أن هذه الكلمات كانت تعني الدعاء الجدي والحقيقي على الطرف المقابل بأن تثكله أمه ، وأن يموت ، فلا مانع من الالتزام بها في مورد مخاطبة الإمام الحسين عليه السلام مع الحر الرياحي ، فإن الحرـ إلى ذلك الوقت ـ كان باغيا على إمام زمانه ، ومضيقا عليه مسيره ، وهذا يعني إعلان الحرب عليه ، ولو قتل في تلك الحال لكان مصيره إلى النار دون ريب ، وكان حينئذ على من يناصر الحسين عليه السلام أن يشهر سيفه في وجه الحر ويقاتله ويقتله لو استمر .. فلا مانع من الالتزام بهذا المعنى .



1 - تاريخ الطبري 4- 303

--

سؤال 4: لماذا يقام العزاء للحسين كل سنة ؟ مع أنه قتل في سبيل الله ؟ ولماذا لا يقام العزاء لغيره ممن هو أفضل منه كالرسول ؟




أما قتله صلوات الله عليه في سبيل الله فهذا ما لا يستطيع أن ينكره إلا مكابر ، وهذا لا يبرر عدم البكاء والحزن عليه ، فقد تقدم في جواب سابق استحباب البكاء عليه سلام الله عليه .

وأما كونه في كل سنة فما هو الإشكال فيه ؟ لقد ذكرنا أن ما ورد في جواز بل استحباب البكاء عليه ليست محدودة بزمان دون غيره . بل الفوائد المترتبة على المأتم الحسيني ، وذكر الإمام الحسين عليه السلام ، من استثارة العزائم في وجه الظالمين ، ومن تذكير المؤمنين بمسؤوليتهم تجاه الدين ، وما إلى ذلك من فوائد المنبر والمأتم الحسيني ( وقد نتطرق إليها في موضع آخر ) إن كل ذلك يستوجب أن يكون تجديد العزاء ـ لفوائده ـ بنحو دائم ، ولعل هذه الجهات هي التي تدعو أهل البيت عليهم السلام إلى جعل المنبر والمأتم الحسيني مما ينطبق عليه إحياء الأمر .

وأما أنه لماذا لا يقام ذلك للرسول ويقام للحسين ، فلجهات :

ـ منها أن الحديث عن الحسين عليه السلام ، إنما يتم باعتباره امتدادا للرسول ، وناصرا لشريعته ، ومقتبسا من نوره ، ولهذا فالحديث عن الحسين حديث عن جده المصطفى صلى الله عليه وعلى آله . بل تشير بعض الروايات ويساعدها الاعتبار على أن الحسين عليه السلام كان في وقته بمثابة مجمع خصال النبوة والإمامة ، وأن التجسيد الكامل للرسول صلى الله عليه وآله ، وأمير المؤمنين ، والزهراء والحسن عليهم السلام كان قد تمحض في الحسين عليه السلام . كما تشير إليه رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي التي رواها الشيخ الصدوق في العلل قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : يا بن رسول الله كيف صار يوم عاشورا يوم مصيبة وغم وحزن وبكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة ، واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين عليه السلام ، واليوم الذي قتل فيه الحسن بالسم ؟ فقال : إن يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الايام ، وذلك أن أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله عزوجل كانوا خمسة ، فلما مضى عنهم النبي صلى الله عليه وآله بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين فيهم للناس عزاء وسلوة ، فلما مضت فاطمة كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة ، فلما مضى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة فلما مضى الحسن كان للناس في الحسين عزاء وسلوة ، فلما قتل الحسين لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة ، فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم ، فلذلك صار يومه أعظم الايام مصيبة(1).

هذا مع العلم أن العزاء على سيد المرسلين وخير الكائنات محمد صلى الله عليه وآله والبكاء عليه ، وإقامة ذكره في كل عام في الوسط التابع لأهل البيت عليهم السلام هو أمر قائم ، في مناسبة التحاقه بربه في يوم الثامن والعشرين من شهر صفر . وإنما ينبغي توجيه السؤال لمن لا يقيم ذلك لا بالنسبة للحسين ولا لجده المصطفى !!



1 - وسائل الشيعة ج 14 - 305



يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:16 AM
تابع

سؤال 5 : هناك من يقول : لماذا تبكون على الحسين مع أن النبي قد نهى عن البكاء والنياحة ؟ إننا نجد أن الشيعة يقومون في موسم محرم بذلك مع أنه غير مشروع ؟



الجواب: بالنسبة إلى مسألة البكاء سوف ننقل ـ مع شيء من الترتيب ـ في البداية رأي أحد علماء العامة وهو ابن قدامة المقدسي ـ حنبلي المذهب ـ من كتابه المغني(1) فقد كتب :

( مسألة ) قال ( والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة ) أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال وقال الشافعي يباح إلى أن تخرج الروح . ولنا ( في أن البكاء غير مكروه ) ما روى أنس قال شهدنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان .

وقبّل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت ورفع رأسه وعيناه تهراقان .

وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وان عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ..

وانه دخل على ابنه ابراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن ابن عوف وأنت يا رسول الله ؟ فقال ( يا ابن عوف انها رحمة ) ثم اتبعها بأخرى فقال ( ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون ) متفق عليهما .

وأما الندب فهو تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء لانه يكون بالواو مكان الياء وربما زيدت فيه الالف والهاء مثل قولهم وارجلاه واجبلاه وانقطاع ظهراه وأشباه هذا والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب وضرب الخدود والدعاء بالويل والثبور ، فقال بعض أصحابنا هو مكروه ، ونقل حرب عن أحمد كلاما فيه احتمال اباحة النوح والندب اختاره الخلال وصاحبه لان واثلة بن الاسقع وأبا وائل كانا يستمعان النوح ويبكيان ، وقال احمد : إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح يعني لا بأس ، به وروي عن فاطمة رضي الله عنها انها قالت : يا أبتاه ، من ربه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه ، يا أبتاه أجاب ربا دعاه . وروي عن علي رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوضعتها على عينها ثم قالت :


ماذا على من شم تربة أحمد = أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علي مصيبة لو أنها = صبت على الايام عدن لياليا

وظاهر الاخبار تدل على تحريم النوح وهذه الاشياء المذكورة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حديث جابر لقول الله تعالى ( ولا يعصينك في معروف ) قال أحمد هو النوح . ولعن النبي صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة ، وقالت أم عطية : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة أن لا ننوح متفق عليه وعن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ) متفق عليه ، ولان ذلك يشبه الظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ( ان الميت يعذب في قبره بما يناح عليه ) وفي لفظ ( ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) وروي ذلك عن عمر وابنه والمغيرة ، وهي أحاديث متفق عليها . واختلف أهل العلم في معناها فحملها قوم على ظواهرها وقالوا يتصرف في خلقه بما شاء ، وأيدوا ذلك بما روى أبو موسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسنداه ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت ؟ ) قال الترمذي هذا حديث حسن .

وأنكرت عائشة رضي الله عنها حملها على ظاهرها ووافقها ابن عباس ، قال ابن عباس : ذكرت ذلك لعائشة فقالت : يرحم الله عمر ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ) ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ) وقالت : حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) قال ابن عباس عند ذلك والله أضحك وأبكى وذكر ذلك ابن عباس لابن عمر حين روى حديثه فما قال شيئا رواه مسلم .

فتحصل أن استدلالهم على عدم جواز الندب : 1- بما رووه من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . ويعضده ما روي ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسنداه إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت ؟

2- بما ذكروه من لعن النبي النائحة والمستمعة .3- وبأنه يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله .

ولا يخفى على المتأمل ما فيها ، فأما ما ذكر من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقد كفانا مؤونةَ رده ، ما قالته عائشة .. وأن معناه غير مقبول من الناحية الإسلامية ومخالف للقرآن فإما أن يكون راويه واهما في النقل أو الاحتمال الآخر .. كما أن مقتضاه أن يعذب ـ والعياذ بالله ـ مثل الشهيد جعفر بن أبي طالب الطيار لأجل بكاء النبي صلى الله عليه وآله عليه ؟؟ أو يعذب النبي ـ والعياذ بالله ـ وهو سيد الخلائق ببكاء الصديقة الزهراء عليها السلام عليه ؟؟

بل يستطيع ـ على هذا ـ شخص من الأحياء أن يزيد في عذاب ميت من أقاربه كان يعاديه بأن ينوح عليه حتى يكثر عذابه ، ويزيد .. وهو كما ترى !!

وأما ما ذكر من لعن النائحة لو ثبت فهذا يفسره ما رووه ( ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول ..) ومعناه لو تم صدوره عن النبي أن النياحة بالكذب غير جائز ، باعتبار أن الكذب غير جائز سواء كان بنحو النياحة أو الفرح أو الحديث العادي ، فهنا لا موضوعية للنياحة وإنما النهي منصب على موضوع الكذب فيها . والشاهد فيه قول الملكين : يلهزانه : أهكذا كنت ؟ فإن كانت النياحة والندب بالصدق فلا معنى للهز الملائكة .. لأنه ليس بكذب ! وما ذكر في تفسير الآية ( ولا يعصينك في معروف ..) قال أحمد هو النوح .. ونقول هو يُحمل على النوح بالباطل والكذب .

وأما أنه يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله ، فبين هذا وبين النياحة عموم من وجه ، أي قد يكون تظلم وسخط بقضاء الله من غير نياحة ، وقد تكون نياحة من غير تسخط بقضاء الله ، وقد تكون نياحة مع التسخط .. وهنا لا يتم الاستدلال بالمنع إلا في مورد الاجتماع لا عموم النياحة كما هو واضح ..

هذا عند جمهور المسلمين ، وأما عند أتباع أهل البيت عليهم السلام فيجوز البكاء والنياحة على الميت . ويستدل عليه :

ـ بأصل الإباحة فإنه مع الشك في أن البكاء أو النياحة حرام يأتي أصل الإباحة فضلا عما سيأتي من الأدلة على الجواز بل الاستحباب في بعض الحالات .

ـ وبسيرة المعصومين عليهم السلام فإنهم بكوا على أمواتهم ـ ولو بحسب الظاهر عند الناس كيوسف ـ إذ بكى نبي الله يعقوب على يوسف ، وواقعا كبكاء باقي المعصومين : فقد بكى النبي صلى الله عليه وآله على إبراهيم ابنه ، وعلى أمه عندما زار قبرها فبكى وأبكى ، وأمر أن يبكى على حمزة سيد الشهداء بعد واقعة أحد ، وأظهر تأسفه على أن حمزة لا بواكي له(2) ، فلما رأت نساء الأنصار ذلك كن لا يبكين قتلاهن حتى يبدأن بحمزة ، تقول أم سعد : إلى يومنا هذا . وبكى علي أمير المؤمنين عليه السلام على أمه فاطمة بنت أسد ، وبكت فاطمة الزهراء على أبيها ، وبكى علي والحسنان على الزهراء عليهم السلام ، وعلي بن الحسين على أبيه الحسين عليهم السلام .. وباقي الأئمة على الحسين مما يجده المتتبع لحياتهم صلوات الله عليهم .

ـ وبسيرة المتشرعة المتصلة والممضاة من قبل المعصومين عليهم السلام ، فقد بكت الفاطميات وناحت على الحسين عليه السلام ، بمسمع ومرأى من زين العابدين عليه السلام ، وأنشدت الرباب الشعر في رثاء الحسين عليه السلام ، وهو يسمع . وإنشاد الشعر من قبل الشعراء أمام الأئمة في حق الحسين عليه السلام كثير ويمكن مراجعته في باب 104 من أبواب المزار في الوسائل .

ـ وبالروايات وهي كثيرة كما في باب 87 من أبواب الدفن و 88 من كتاب وسائل الشيعة كتاب الطهارة للحر العاملي .

بل ورد أنه لا مانع من البكاء حتى على غير المؤمن من الضُّلال .. إذا كان على وجه الرقة والحزن والأسف على مصيرهم . مما لا يعد تأييدا لطريقتهم كما في باب 89 من الوسائل ، وعليه يحمل ما فعله بعض أجلة العلماء مثل الشريف الرضي والمرتضى مع صاحبهما أبي إسحاق الصابي حيث رثاه كل منهما بقصيدة غراء .

نعم قد يعارضه أمور :




يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:17 AM
ـ منها ما في دعوى ( المبسوط)(3) الإجماع على عدم جواز النياحة ، ولكنها كما ذكر الكثير دعوى غير مقبولة وتعجب بعضهم من دعوى الشيخ الاجماع(4) على المسألة .. نعم لو أراد النياحة المذكورة التي تنتهي إلى الكذب ، فلا مانع من ذلك لكن المدعى غيرها .

ـ ومنها ما في جملة من الأخبار الناهية عن النياحة والجزع ففي رواية جابر ( .. ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه ) وفي رواية أخرى ( النياحة من عمل الجاهلية ) وما ورد من الإيصاء بأن ( لا تخمشي علي وجها ولا تشقي علي ثوبا ) وقد نقل هذا المضمون عن النبي والحسين عليهما السلام .

والجواب عنها أن الأولى ناظرة إلى النياحة الكاذبة التي كانت على زمان الجاهلية ، والثانية بأن بين ما ذكر ( خمش الوجوه وشق الثياب ) وبين النياحة عموما من وجه ، والكلام هو في النياحة التي لا يوجد فيها تلك الأمور .

ـ ومنها حسنة معاوية بن وهب ( لجهة أبي محمد الأنصاري فإنه لم يوثق بتوثيق خاص لكن مدحه محمد بن عبد الجبار في رواية في الكافي ) : كل الجزع والبكاء مكروه إلا الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام .

فإنها بعمومها تدل على منع الجزع والبكاء مطلقا ، ويستثنى من ذلك الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام ، وأما ماعداه فيبقى تحت المنع .. وقد وجهت بتوجيهات مختلفة مثل أن (مكروه ) هل هي بمعنى الكراهة الاصطلاحي أو بما يشمل الممنوع ؟ أو أن المكروه هو مجموع البكاء والجزع .. أو غيرها، ومحلها في الفقه حيث لا يتسع المقام لبسط الكلام فيه.

أما النياحة والندبة على الإمام الحسين عليه السلام فيمكن الاستدلال عليها :

أولا : بما سبق من الأدلة الدالة على جواز البكاء والنياحة على المؤمن فكيف برأس الإيمان وإمام المؤمنين ؟

وثانيا : بما ورد من الروايات في خصوص هذا الموضوع : فمنها حسنة معاوية المتقدمة .

ومنها : صحيحة الفضيل بن يسار : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر(5) .

وفي هذه الرواية إضافة إلى ذكر الثواب الكثير على البكاء مما يفيد ما هو أكثر من مجرد الجواز بل الاستحباب ، يستفاد منها جواز واستحباب ذكر الذاكر للأئمة ـ عموما وليس الحسين عليه السلام فقط ـ .

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم : عن الباقر : كان علي بن الحسين عليه السلام يقول أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خديه بوأه الله بها غرفا يسكنها أحقابا . وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله مبوأ صدق ..

وثالثا : بأن البكاء والنياحة على الحسين عليه السلام مما ينطبق عليه عنوان إحياء الدين ، وأمر أهل البيت وهو في أدنى درجاته مستحب . فمنها صحيحة الفضيل ـ وقد تقدم شطر منها ـ ( تجلسون وتتحدثون ؟ قلت نعم ، فقال : إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا( .

هل يختص البكاء والندبة بوقت ؟

إن عمومات جواز البكاء والنياحة على المؤمن فضلا عن الحسين عليه السلام واستحبابه عليه ، لا تختص بوقت دون آخر ، نعم لو كانت مجددة للحزن على قريب الميت ، وداعية إلى تأثره وتألمه فلا ينبغي ذلك بالنسبة للمؤمن ، وأما بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام ، فلما كانت تجديدا للعهد ، وداعية للتذكر ، وباعثة على الاقتداء والتأسي ، كان من المستحب الاستمرار عليها .

إن البكاء على الحسين عليه السلام ( وسائر المعصومين ) له فوائد متعددة :

ـ فهو من جهة يمثل إعلان موقف انسجام ، وانتماء ، للحسين عليه السلام ولخطه ، ومواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وأهل البيت عليه السلام . ولعل فقرة الزيارة المشهورة ( لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري )(6) فيها إشارة إلى هذا المعنى واستمراره .

ـ وفي نفس الوقت هو صرخة رفض للطغيان في التاريخ ، وتحديد لمسؤولية المنحرفين فيه ، وأن تقادم الأيام لا يمحو عبثهم بقيم الدين ، وبمصالح الإسلام ، ولا يمحو جرائمهم بل يبقى هذا السجل الأسود يلاحقهم بلعنة اللاعنين وأسى المؤمنين على مصائب الطيبين الطاهرين . وفي هذا شيء من الردع للظالمين اللاحقين لكيلا يظنوا أن بإمكانهم أن يفسدوا في الأرض ويهلكوا الحرث والنسل ثم ينسلّون من صفحة الحياة بعد ما ملؤوها ظلما وجورا ، من دون أن يعكر صفوَ حياتهم شيءٌ .. كلا .. إن لعنة المؤمنين والذكر السيء المقرون بالاشمئزاز والتنفر ليلاحقانهم في البرزخ إلى يوم القيامة إذا ( جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون)(7) ..

كما أنه موقف طبيعي للإنسان الطبيعي ..

فإن من يقرأ الحوادث التأريخية ويكون سويا ، فلا بد أن يتفاعل معها بحسب ما يتطلبه الموقف ، والحدث الذي يقرأ عنه ، وإلا كان عديم الاحساس ، بل لم يعد من الناس . فإن من يقرا سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، ولا يتفاعل معها في المواقف المختلفة مستحسنا عمل النبي وسيرته تارة ، ومتأسفا على جحود أعدائه لدعوته أخرى ، ومسترقا خاضعا من مناجاته لربه ثالثة ، وحزينا تغرورق عيناه بالدمع على رحيله مريضا رابعة .. من لا يكون كذلك لا بد أن يُشك في كونه طبيعيا !! وهذا لا يرتبط بكون القارئ مسلما بل بكونه إنسانا ، فإذا لم تؤثر المواقف الانسانية النبيلة في عواطفه ، فقد خرج عن الحالة الانسانية السوية .

وإذا تطلع إنسان إلى القضية الحسينية وما جرى في معركة عاشوراء على أبطالها ، رجالا ونساء وأطفالا من القتل والذبح والتمثيل والتنكيل ، والسبي والإيذاء بكل صوره المتوقعة .. فلا بد أن يتأثر ويتفاعل معها ، ولو لم يحصل له أدنى مقدار من التفاعل فلا بد أن نشكك في إنسانيته وفي كونه سويا على الفطرة البشرية ، والخلقة الالهية .

ولعل هذا ما يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في تأبين ابنه ابراهيم ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ) أي إن القلب السوي لا بد أن يتأثر ويتحرك وأن العين الطبيعية لا بد أن ينعكس عليها تأثر الداخل فتفيض بالدمع ، وإلا لما كان هذا الانسان سويا .

بل يجد الانسان أنه يتأثر حتى لحال الحيوان .. فما ظنك بسادة البشر ؟ الذين إنما تحركوا في تلك الواقعة إلا بأنبل الدوافع وأطهر الأهداف ، وضحوا بأنفسهم وأموالهم وبنيهم وأصحابهم ، من أجل حياة الدين وكرامة الانسان .. قومٌ خيرهم ربهم ـ تشريعا ـ بين البقاء وفي مقابله انهدام الدين واللقاء به باذلين مضحين :

فرأيت أن لقاء ربك باذلا للنفس خير من بقاء ضنين



1- المغني لابن قدامة 2 - 410

2- قال في تاريخ الطبري 2 - 210 :

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الانصار من بنى عبد الاشهل وبنى ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 - المبسوط في فقه الإمامية لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ( ت سنة 460 هـ ) ، يقع في 8 مجلدات ، وهو من أوائل الكتب التي فرع فيها الشيخ الطوسي رحمه الله الفروع الكثيرة من غير حاجة إلى الرأي والقياس ، وإنما اعتمد على ما ورد من أخبار أهل البيت ورواياتهم عليهم السلام .


4 - قد ذكروا أن دعوى الشيخ الاجماع في كتبه لا سيما الخلاف ، لا يقصد به الاجماع الاصطلاحي بالضرورة .

5 - قد يستشكل على هذه الرواية وأمثالها من جهات ، وسوف نجيب على ما تثيره من أسئلة فيما بعد .

6 - إقبال الأعمال - زيارة الحسين عليه السلام في نصف شعبان .

7 - سورة غافر 78

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:19 AM
تابع

سؤال 6: كيف يمكن تصديق الروايات التي تعد بثواب عظيم لأجل عمل بسيط وهو البكاء وترتب عليه دخول الجنة ..؟




الجواب: هذا الأمر لا يختص بالموضوع الحسيني فإن هناك الكثير من الروايات لسانها ذلك اللسان ..

فقد روي عن النبي أنه قال : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (1) وعنه صلى الله عليه أيضا : من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت أكثر من زبد البحر(2) . ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف وأربع وعشرون ألف حسنة(3)..

ومثلها أيضا في المجاميع الروائية لأهل البيت عليهم السلام . ونظرا لكثرتها العظيمة في كتب الفريقين فلا ينبغي الخوض في أسانيدها على أن ما فيها من الأحاديث المعتبرة شيء ليس بالقليل .. فينبغي أن يكون الجواب عاما هنا وفي سائر المواضع . والجواب قد يمكن تمهيده عبر مقدمات :

1ـ أن الثواب عند الله سبحانه وتعالى لا حدود له ، ومشكلة الإنسان أنه يقيس المعادلات الالهية بمقاييسه هو وهي مقاييس صغيرة وحقيرة للغاية . وهناك مشكلة أخرى وهي أننا لا نعرف كيفية الارتباط بين الفعل الإنساني والجزاء الالهي ، نعم نعرف أن هناك ارتباطا بينهما وأن ( من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) لكن أي عمل هو الأفضل جزاء عند الله ، هل هو الاطول زمانا ؟ أو الأكثر تكلفة ؟ أو الأصدق نية أو غير ذلك ؟ فقد نرى في بعض المواقع أن عملا لا يستغرق سوى وقت قصير ومع ذلك يترتب عليه ذلك الثواب العظيم ، وقد نرى عملا من أعمال الجوانح والقلوب ، وهي لا تحتاج إلى بذل جهد ظاهري كبير ، أفضل من حيث الثواب [من عمل من أعمال الجوارح والأعضاء مما يبذل لأجله جهد كبير .. وهكذا . فنحن لا نعرف ذلك إلا من خلال الاخبار الالهي بواسطة الوحي .

ولذلك يتعجب الإنسان من مثل هذه الروايات لأنها تأتي في سياق خارج مقاييسه ، فهو محدود وهي لا حدود لها ، وهو بخيل وهي في نهاية الكرم .. ومن جهة أخرى هو لا يستطيع إدراك قيمة هذه الأمور عند الله ..

2ـ أن هذه الآثار المذكورة هي عادة على نحو الاقتضاء في التأثير وليست بنحو العلية التامة ، وإنما تقول أن هذه الآثار تترتب على تلك المقدمات ما لم يمنع مانع من تأثيرها ، أو يلغي فاعليتها . وهذا أمر يمكن ملاحظته في الحياة العامة للإنسان فهو يذهب إلى الطبيب ويصف له هذا دواء رافعا للمرض المعين ، ولكن ذلك ليس على نحو الحتم والعلية التامة وإنما ذلك الدواء يقتضي أن يرفع المرض وآثاره ما لم يكن هناك مانع عن تأثيره كتناول أدوية مضادة لتأثير الأولى ، أو التعرض لمسببات جديدة تزيد من آثار المرض وهكذا ..

ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله : من قال سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنة ومن قال الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال الله أكبر غرس الله لها بها شجرة في الجنة فقال رجل من قريش : إن شجرنا في الجنة لكثير !! قال : نعم ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها وذلك إن الله يقول ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) (4). فهذه الآثار تترتب ما لم يأت مانع فيمنعها أو رافع يرفعها .

3ـ إنه لا يمكن التمسك بإطلاق هذه الروايات ، بل لا بد من حملها على المقيدات ، والنظر إلى سائر القرائن ..فليس صحيحا أن يقال مثلا : أن من قال كذا دخل الجنة ولو كان في قوله مستهزءا ، أو أن من بكى على الحسين دخل الجنة ولو كان غير مسلم .. الخ .

وإنما ينبغي النظر إلى سائر الروايات والنصوص الإسلامية الأخرى التي تكون بمثابة القرينة على المقصود من هذه الروايات التي بين أيدينا ، ويستفاد من سائر الروايات مثلا : أن القائل لهذا الذكر لا بد أن يكون معتقدا به ولو على نحو الاجمال ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) . فوصفهم بالكذب مع أن مقولتهم حقيقية ، وربما يكون ذلك لأجل الاختلاف بين مقام التلفظ ومقام الاعتقاد .

وهكذا بالنسبة إلى هذه الروايات فإنها ينبغي أن تلاحظ مع سائر الروايات الأخرى التي هي بمثابة القرينة بالنسبة لها ، حتى تنتج ما هو الصحيح .

4ـ إنه قد ينطبق عنوان ما على فعل من الأفعال ، فيكون ذلك الفعل علامة الإيمان ومظهر الدين ، وحينئذ فلا ينبغي التعامل مع الفعل باعتبار ذاته وإنما باعتبار ما يرمز إليه ويدل عليه ، فإن ( شق سنام الناقة في قران الحج أو تعليق نعل في رقبتها) أمر لو نظر إليه في حدود نفس الفعل لم يكن شيئا مهما ، ولكن حين يكون عنوانا لشعائر الله ، لا يجوز لأحد حينئذ إحلاله كما قال القرآن ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد .. ) . وحين يكون فعل من الأفعال عنوانا لشخصية الإنسان ، أو كاشفا عن عمق الإيمان فإنه يثاب بمقدار أهمية المنكشف لا بمقدار قلة الكاشف . إن دمعة ندم واستغفار من مذنب في جوف الليل قد تستوجب من الثواب أضعاف ما يستوجبه مقدار كبير من النوافل والصلوات المستحبة التي تتجاوز تلك الدمعة من حيث وقتها وزمانها . وإن قول ( لا إله إلا الله ومحمد رسول الله ) بما هو إعلان للإيمان وكفر بالطواغيت يمهد الطريق للمرء للوصول إلى الجنان . ويحقن بواسطته دم القائل ويصون ماله وعرضه ، وينقله من الظلمات إلى النور ، مع أنه لا يستغرق من حيث الزمان إلا شيئا يسيرا ، ولكنه يعني الانتقال من عبادة غير الله إلى عبادة الله . فيعطي للقائل جميع حقوق الانسان المسلم ويساويه بذلك الذي عبد الله منذ صغره وقام بالنوافل ..

والبكاء على الإمام الحسين عليه السلام بما يمثل من إعلان موقف في الانتماء إلى خط الإمام عليه السلام ، وإعلان صرخة الاستنكار والعداء لظالميه وقاتليه وبما هو كاشف عن استيعاب خطه المقدس يجعل ترتب ذلك الثواب عليه أمرا طبيعيا .

----------------

1 - سنن الترمذي 4- 133

2 - المصدر 5 - 175

3 - مجمع الزوائد10- 87

4 - وسائل الشيعة 7- 187


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:23 AM
تابع

سؤال 7: هل أن الذي قتل الحسينَ هم شيعتُه ؟ فنحن نقرأ في بعض الكتب أن شيعة الحسين في الكوفة هم الذين دعوه ثم خانوه وقتلوه !!




الجواب: إن تلك الكلمة تشبه الكلمة التي قالها معاوية خداعا للناس عندما قتل عمار بن ياسر ، وكانوا قد عرفوا حديث رسول الله ( تقتله الفئة الباغية ) فقال معاوية : ما قتلناه إنما قتله من أخرجه(1) ؟! يعني علي بن أبي طالب عليه السلام .

فإننا لو عرفنا من هم شيعة الحسين عليه السلام ومن هم شيعة أعدائه ومن هم قتلته لعرفنا أن هؤلاء لم يكونوا إلا أعداءه ؟ إن أهل البيت عليهم السلام يتحدثون عن شيعتهم فيحددون مواصفاتهم العامة بحيث يصبح فاقد هذه الصفات غير معدود من شيعتهم باختلاف مستويات تخلف هذه الصفات ، في درجاتها فقد يسلب أصل الصفة وقد يسلب بعض درجاتها :

ـ شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيرا (2)

ـ شيعتي من لم يهر هرير ال*** ولم يطمع طمع الغراب (3)

ـ شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والأمانة وأهل الزهد والعبادة (4)

ـ شيعتنا من قدم ما استحسن وأمسك ما استقبح وأظهر الجميل وسارع بالأمر الجليل ، رغبة إلى رحمة الجليل ، فذاك منا وإلينا ومعنا حيثما كنا.

- ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الأمانة وكثرة ذكر الله .

- شيعتنا هم الشاحبون الذابلون الناحلون ، الذين إذا جنهم الليل استقبلوه بحزن. -: إنما شيعة علي من عف بطنه وفرجه ، واشتد جهاده ، وعمل لخالقه ، ورجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر.

- امتحنوا شيعتنا عند ثلاث : عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها ، وعند أسرارهم كيف حفظهم لها عند عدونا ، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها.

- إن شيعتنا من شيعنا واتبع آثارنا واقتدى بأعمالنا.

- إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى : بالسخاء والبذل للإخوان ، وبأن يصلوا الخمسين ليلا ونهارا .

- لا تذهب بكم المذاهب ، فوالله ما شيعتنا إلا من أطاع الله عزوجل(5).

في المقابل نحن نجد أن الإمام الحسين عليه السلام وهو العليم بمن يقاتله وصف الجنود الذين كانوا في المعسكر المقابل بأنهم : شيعة آل أبي سفيان . فقد ورد أن الحسين عليه السلام لما وقع صريعا وهجم القوم على مخيمه نادى : ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون (6) .

وفي خطابه فيهم في يوم عاشوراء يحدد صفات قاتليه فيقول ( فسحقا يا عبيد الأمة ، وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ، ومحرفي الكلم ، وعصبة الآثام ونفثة الشيطان ، ومطفئي السنن ، أهؤلاء تعضدون . وعنا تتخاذلون ؟ أجل والله الغدر فيكم قديم ، وشجت إليه أصولكم وتأزرت عليه فروعكم ، فكنتم أخبث ثمر شجا للناظر وأكلة للغاصب )(7).

بل إن هذا الأمر كان واضحا لكل الأطراف فهذا عبيد الله بن زياد كان يرى ان النصر قد حصل لشيعة آل أمية ، وأن القتل كان من نصيب شيعة الحسين مما يعني أن القتلة كانوا من المعسكر الآخر..فإنه ( لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودى الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الأعظم فصعد المنبر ابن زياد فقال الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن على وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بنى والبة وكان من شيعة على كرم الله وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع على فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلى فيه إلى الليل ثم ينصرف قال فلما سمع مقالة ابن زياد قال يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتكلمون بكلام الصديقين ) (8)، وهكذا كانت الحوارات بين المجاهدين الحسينيين والمرتزقة الأمويين تشير إلى أن الطرف المقاتل والمعادي للحسين لم يكن من شيعته وإنما من شيعة غيره فقد تكلم حبيب بن مظاهر وقال لهم : أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيرا ! فقال له عزرة بن قيس : إنك لتزكى نفسك ما استطعت ! فقال له زهير( بن القين ) : يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإنى لك من الناصحين أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية ! فقال : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانيا !!

قال : أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم أما والله ما كتبت إليه كتابا قط ولا أرسلت إليه رسولا قط ولا وعدته نصرتي قط ولكن الطريق جمع بينى وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله ..(9).

ولنا أن نتساءل عن قتلة الحسين وأصحابه ، فهل كان عمربن سعد بن ابي وقاص من شيعة الحسين ؟ أو أن يزيد بن معاوية كان من شيعة الحسين عليه السلام ؟ أو أن عبيد الله بن زياد كان من شيعته ؟ وهل كان شمر بن ذي الجوشن من شيعة الحسين ؟ .

إن مثل هذا الكلام عندما يصدر من كاتب أو مؤرخ فإنه يكون بمثابة اشتراك واضح في الجريمة بحيث يتهم فيها غير الجاني ويبرئ الجاني الحقيقي .



1 - تاريخ الطبري ج 4 ص 29 :

( .. فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله ( بن عمرو بن العاص ) ؟ قال : وما يقول ؟ فأخبره الخبر. فقال معاوية : إنك شيخ .....ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في ...... ! أو نحن قتلنا عمارا ؟ إنما قتل عمارا من جاء به ! فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون : إنما قتل عمارا من جاء به ..قال الطبري : فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم ؟

2- ميزان الحكمة 2- 973

3- ميزان الحكمة 2- 1222

4- نفس المصدر 2- 1538

5- الأحاديث من نفس المصدر ونفس الجزء .

6- اللهوف في قتلى الطفوف 144

7- نفس المصدر

8- تاريخ الطبري 4- 350

9- نفس المصدر .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:29 AM
تابع

سؤال 8: هل كان الحسين مجبورا على النهضة ؟




الجواب: إن من أصول عقائد أهل البيت عليهم السلام عقيدة الاختيار ، وأن الإنسان مسؤول عن عمله بمقدار ما يكون مالكا لقراره ولاختياره . ولهذا يكون محاسبا عليه .. وهم يعتقدون بذلك خلافا لما روجته المدارس الفكرية الأخرى التي تذهب إلى أن الانسان مجبر على عمله ، ومضطر إليه ، ولا يعمل شيئا إلا وهو مساق إليه . وقد تحدث القرآن القرآن الكريم عن هذه العقيدة الخاطئة التي تمسك بها بعض الناس لتبرير أخطائهم وانحرافاتهم بل وشركهم كما قال تعالى ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين )(1). وفي آية أخرى يفضح القرآن الكريم مقاصد أولئك القوم في دعواهم بجبرية عمل الانسان ، وأنه مسير إليه لأن الله يعلم ما سيفعله هؤلاء من عمل ولم يمنعهم ، ولهذا يعتبر آمرا لهم ، وهم لا يملكون مع أمره أمرا ، فيقول ـ بعد أن ينسب الفعل إليهم مما يبين أنه لا أحد صنع عنهم العمل بل هم فعلوه ، وهم المسؤولون عنه ، ثم يقول أيضا إن الله لا يأمر بالفحشاء (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) (2).

فعقيدة أهل البيت عليهم السلام وهي القرآن ، تنص على أن الانسان مختار ـ ضمن دائرة علم الله به وأن كل شيء بإذن الله ولكن الله لا يمنع أو يقسر تكوينا وإنما يأمر وينهى تشريعا ـ وبناء على اختياره ذاك يكون مثابا ومحاسبا و( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) .

والامام الحسين عليه السلام ـ كآبائه الطاهرين ـ يتحرك ضمن هذه الفلسفة ، فهو يقول ( إنما خرجت لطلب الاصلاح .. أريد أن آمر بالمعروف .. ) فهو ينسب هذه الأفعال في الحركة المباركة تلك إلى نفسه وإلى عمله واختياره هذا الطريق . وهذا ما فهمه من رافقه فعلي ابنه الأكبر عليه السلام يقول ( لا نبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا ) .

وما ينقل مما ظاهره خلاف ذلك ينبغي أن يفهم في هذا الاطار ، ذلك أن الإمام لا يقول هنا ـ في هذه الحادثة ـ شيئا يخالف ما هو عليه من الاصول الثابتة التي يصرح بها في سائر الأماكن .. كقوله مثلا ( وخِير لي مصرع أنا لاقيه ) مما يتصوره البعض أنه مجبور على ذلك ، أو قوله ( شاء الله أن يراني قتيلا ) أو الرواية القائلة بأن كل واحد من الأئمة كان لديه كتاب ينظر فيه فيعمل بموجبه .. فالأولان من الأقوال معناها أن مصرعي ليس مجهولا علي وإنما يأتي عن اختيار ، وخطة إلهية ، فلست غافلا عنه كما أنه ليس ناتجا من أشر أو بطر أو شهوة للقتال وإنما هو ضمن التخطيط الالهي ، الذي سأختاره لأني أختار رضى الله وبرغبة مني في الاصلاح فسيكون نتيجة كل ذلك هو أن يراني الله قتيلا . وهناك تفصيل لهذا المعنى في سؤال خاص .

كما أن الرواية المذكورة ، لو تمت من ناحية السند (3) تعني أن طريقة عمل كل إمام من الأئمة كانت تختلف عن طريقة الإمام الآخر تبعا لاختلاف الظروف ، ولذا كان عليه أن يطيع أمر الله التشريعي في خدمة الدين بهذا النحو المعين في الوصية .



1 - النحل - 35

2 - الاعراف 30

3 - في أكثر طرقها المفضل بن صالح ( أبو جميلة ) وهو كما قالوا ضعيف كذاب يضع الحديث كما عن رجال ابن داود ، وعن النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد أيضا تضعيفه ، وفي بعضها الآخر مجهولون .


سؤال 9: كيف نرد على من قال : إن الحسين اجتهد فأصاب وله أجران ويزيد اجتهد وأخطأ فله أجر ؟




الجواب: يُرَد على ذلك بقول الشاعر :


فيا موت زر إن الحياة ذميمة = ويا نفس جدي إن دهرك هازل

ومن عجبٍ أن يُجعل الإمام الحسين عليه السلام وهو سيد شباب أهل الجنة وسبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، والإمام بنص الرسول , في كفة ميزان مع يزيد بن معاوية كيف والمقايسة كما يقول الحسين عليه السلام ( إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا بدأ الله وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق .. )(1) .

وتفصيل الأمر أن يقال :

1- ما هو محل الاجتهاد ؟ فهل يستطيع أحد مثلا من المسلمين أن يجتهد في أمر وجود الله ؟ أو في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله ؟ فلو توصل مثلا إلى أن الله غير موجود ، أو أن محمدا ليس بنبي فهل يثاب على اجتهاده هذا الذي أخطأ فيه ؟ إن ذلك مما لا يقول به عاقل . وذلك أن للاجتهاد محلا محدودا في الفروع أما في الأصول فلا يمكن الاجتهاد(2) .

والحسين عليه السلام بنص رسول الله صلى الله عليه وآله ، مع أخيه الحسن إمامان قاما أو قعدا وهما سيدا شباب أهل الجنة . وهما من أهل البيت الذي طهروا عن الرجس والدنس ، وفيهم ورد ما ورد حتى عاد كونهم على الحق من الضروريات وشبهها عند الفريقين . وللحديث عن ما ورد في مناقبهم وفضائلهم مجال آخر .

فلا يمكن أن يدعي أحد أن أحدا يستطيع أن يجتهد في أمر قتل النبي صلى الله عليه وآله ، فيقاتله ثم يقال له إن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران . ومثل ذلك قتال أمير المؤمنين عليه السلام ، والحسين .

2- من هو المجتهد .؟ لو فرضنا أن هناك مجالا للاجتهاد ـ وهو الفروع ـ فهل يستطيع كل مسلم أن يجتهد فيها ؟ إن الاجتهاد يحتاج إلى طي مراحل مهمة في العلوم الممهدة له حتى يصل المرء إلى مرتبة المجتهد ، القادر على فهم أحكام الدين من خلال استنطاق النصوص ، ومعرفة القواعد ، وأين يزيد بن معاوية من هذا ؟ هل يحتمل أحد أن يكون يزيد من هذا القسم ؟ لقد قال الحسين عليه السلام مبينا شخصية يزيد ومستواه ، واهتماماته عندما خطب معاوية ذاكرا ليزيد أمورا كاذبة يؤهله فيها للخلافة ، قام الحسين عليه السلام فقال :

هيهات يا معاوية : فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت ، ومنعت حتى محلت ، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر ، ونصيبه الاكمل ، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لامة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوبا ، أو تنعت غائبا ، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص ، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه ، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبّق لاترابهن ، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصرا ، ودع عنك ما تحاول ..)(3) .

هذا هو يزيد فهل يتفرغ والحال هذه للاجتهاد ؟

إننا نعتقد أن مثل هذه الأفكار هي التي تمهد الارضية لأن يأتي بعض الجهلة من المسلمين لكي يفسّقوا الآخرين ويبدّعوهم ، وينسبونهم إلى الجاهلية أو الكفر ، ثم يقومون بقتلهم .. ولا يتقون الله في دماء المسلمين ولا أعراضهم ولا أموالهم .. وقد شهد عالمنا الإسلامي في هذه الفترة الأخيرة ما يشيب لهوله ناصية الطفل من الجرائم القائمة على هذا الاساس .. فقتل المسلمين وهو مما ثبت بالضرورة حرمته يصبح ميدانا لاجتهاد أشخاص مثل يزيد ، وانتهاك أعراضهم يصبح محلا لفتوى من ليس له نصيب من العلم بمقدار ما له نصيب من الشهوات والانحراف !! .

ثم إن نفس هذا الكلام غير صحيح حتى على مسلك القوم ، فإن مسلكهم هو التصويب ـ لا أقل في بعض الصور ـ بمعنى أن ما أدى إليه نظر المجتهد فهو الحق ، كما قال الغزالي : (فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله ( أي ما يجوز فيه الاجتهاد ) كان ما أدى إليه الاجتهاد حقا وصوابا )(4). فإما أن يقال أن يزيد مجتهد واجتهاده صحيح لأن ما أدى إليه نظر المجتهد فهو صحيح ، فكيف يكون خطأ ؟؟ لكن الحق هو ما عرفت من أن مجال الاجتهاد لا يشمل مثل قتل الحسين عليه السلام ، كما أن المجتهد هو شخص خاص قد عرف من العلوم المرتبطة بمسائل الدين ما يؤهله لاستنباط الحكم الشرعي في الواقعة . وهو لا ينطبق على يزيد قطعا .



1- اللهوف في قتلى الطفوف للسيد بن طاووس - 17

2- قال أحمد بن علي الجصاص في كتابه الفصول في الأصول ج 4 ص 11 :

الاجتهاد : هو بذل المجهود فيما يقصده المجتهد ( و ) يتحراه ، إلا أنه قد اختص في العرف بأحكام الحوادث التي ليس لله تعالى عليها دليل قائم يوصل إلى العلم بالمطلوب منها ، لان ما كان لله عز وجل ( عليه ) دليل قائم ، لا يسمى الاستدلال في طلبه اجتهادا ألا ترى أن أحدا لا يقول : إن علم التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم من باب الاجتهاد وكذلك ما كان لله تعالى عليه دليل قائم من أحكام الشرع ، لا يقال : إنه من باب الاجتهاد ، لان الاجتهاد اسم قد اختص في العرف وفي عادة أهل العلم ، بما كلف الإنسان فيه غالب ظنه ، ومبلغ اجتهاده ، دون إصابة المطلوب بعينه ، فإذا اجتهد المجتهد ، فقد أدى ما كلف ، وهو ما أداه إليه غالب ظنه ، وعلم التوحيد وما جرى مجراه ، مما لله عليه دلائل قائمة كلفنا بها : إصابة الحقيقة ، لظهور دلائله ، ووضوح آياته

3- الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 1- 208

4- المستصفى للغزالي 345

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 12:32 AM
تابع

سؤال: ما هي حقيقة رض جسم الحسين بخيول الأمويين ؟ هل يصح أن الخيل قد تراجعت عن رض جسم الحسين عليه السلام مع أنها لا تمتلك ارادة ؟ أو أن الخيول التي تجرأت على رضه هي خيول الأعوجية ؟


الجواب: الثابت تأريخيا أن القوم بعدما قتلوا الحسين عليه السلام وفصلوا رأسه الشريف عن بدنه ، قاموا بتنفيذ أمر عبيد الله بن زياد في رسالته الأخيرة لعمر بن سعد يوم التاسع من محرم والتي أمره فيها بنحو صارم أن ( .. فازحف إليهم حتى تقتلهم ، وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنه عاق مشاق ، قاطع ظلوم ، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ، ولكن علي قول : لو قد قتلته فعلت به هذا . . . ) . وقد وردت الروايات بأنهم قاموا بذلك العمل ، بل ذكرت المصادر التأريخية أسماء أولئك المجرمين الذين قاموا بالعمل المذكور فقد ذكر العلامة المجلسي في بحاره بأنه بعد مقتل الحسين عليه السلام : ( نادى عمر ابن سعد في أصحابه : من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره ، فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق بن حوية الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه ، وأخنس بن مرثد ، وحكيم بن الطفيل السنبسي ، وعمروبن صبيح الصيداوي ، ورجاء بن منقذ العبدي ، وسالم بن خيثمة الجعفي ، وواحظ بن ناعم ، وصالح بن وهب الجعفي ، وهانئ بن ثبيت الحضرمي ، واسيد بن مالك ، فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضوا ظهره وصدره . قال : وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد فقال اسيد بن مالك أحد العشرة :


نحن رضضنا الصدر بعد الظهر = بكل يعبوب شديد الاسر

فقال ابن زياد : من أنتم ؟ فقالوا : نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا جناجن صدره فأمر لهم بجائزة يسيرة .(1) ونفس الأمر نقله الطبري عن أبي مخنف .

نعم قد يستعظم ذلك من قبل المؤمن ولا يراه ممكنا لقداسة الحسين ، وعظمة شأنه عند الله سبحانه وتعالى .. ولكن هذا لا يمنع وقوع أشد أنواع البلاء على أهل الايمان ، فإن من الأنبياء من نشروا بالمناشير ، ومنهم من مشط بأمشاط الحديد .. وهكذا .

نعم قد ذكر في البحار أن في الكافي رواية تدل على أن الخيول لم ترض صدر الحسين عليه السلام ، ولم أعثر على تلك الرواية . ويرى بعضهم أن الخيل العربية لا تدوس على جسد القتيل في الحالات العادية بل تقفز فوقه ، فإن صح ذلك وثبتت الرواية فيمكن أن يكون ذلك في أول الأمر ، لكن فيما بعد كان من الثابت أنهم قاموا بذلك العمل .

وأما كونها من الخيل الأعوجية ـ لو ثبت ذلك ـ فليس بصفة ذم كما يتبادر إلى الذهن بدوا ، وإنما الذم لمن ركب على ظهرها ، وأجراها في غير ميدان الطاعة . فإن الأعوجية تعتبر من الخيول القوية والسريعة ، بل يعود أصل كثير من الخيول إلى فرس بهذا الاسم كان في الجاهلية . قال ابن منظور في لسان العرب :

وأعوج : فرس سابق ركب صغيرا فاعوجت قوائمه ، والأعوجية منسوبة إليه . قال الأزهري : والخيل الأعوجية منسوبة إلى فحل كان يقال له أعوج ، يقال : هذا الحصان من بنات أعوج ، وفي حديث أم زرع : ركب أعوجيا أي فرسا منسوبا إلى أعوج ، وهو فحل كريم تنسب الخيل الكرام إليه ، وأعوج أيضا : فرس عدي من أيوب ، قال الجوهري : أعوج اسم فرس كان لبني هلال تنسب إليه الأعوجيات وبنات أعوج ، قال أبو عبيدة : كان أعوج لكندة ، فأخذته بنو سليم في بعض أيامهم فصار إلى بني هلال ، وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلا منه ، وقال الأصمعي في كتاب الفرس : أعوج كان لبني آكل المرار ثم صار لبني هلال بن عامر .



1- بحار الأنوار 45

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 01:29 AM
تابع

سؤال 11 : عن وقوف جواد الحسين وسؤاله القوم ؟ هل أنه لم يكن يعلم بالأرض ؟



نقل الشيخ الشريفي في كتابه كلمات الإمام الحسين (ع) ما يلي : وهناك رواية عن ابى مخنف في مقتله باسناده عن ال***ى انه قال : وساروا جميعا الى ان اتوا الى ارض كربلا وذلك في يوم الاربعاء فوقف فرس الحسين عليه السلام من تحته فنزل عنها وركب اخرى فلم ينبعث من تحته خطوة واحدة ولم يزل يركب فرسا بعد فرس حتى ركب سبعه افراس وهن على هذا الحال فلما رأى الإمام ذلك الامر الغريب . قال : ما يقال لهذا الأرض ؟ قالوا : ارض الغاضرية . قال : فهل لها اسم غير هذا . قالوا : سمى نينوى . قال : هل لها اسم غير هذا قالوا : تسمى بشاطئ الفرات . قال : هل لها اسم غير هذا . قالوا : تسمى كربلا . فتنفس الصعداء قال : ( ارض كرب وبلاء ، ثم قال : قفوا ولا ترحلوا منها فهاهنا والله مناخ ركابنا ، وهاهنا والله سفك دمائنا ، وهاهنا والله هتك حريمنا ، وهاهنا والله قتل رجالنا ، وهاهنا والله ذبح اطفالنا ، وهاهنا والله تزال قبورنا ، وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله ولا خلف لقوله ) . وقال القندوزي : فساروا جميعا إلى أن انتهوا إلى أرض كربلاء ، إذ وقف جواد الحسين ، وكلما حثه على المسير لم ينبعث من تحته خطوة واحدة ، فقال الإمام ( ما يقال لهذه الاءرض ) ؟ قالوا : تسمى كربلا . فقال : ( هذه والله أرض كرب وبلا ، هاهنا تقتل الرجال وترمل النساء ، وهاهنا محل قبورنا ومحشرنا ، وبهذا أخبرني جدي صلى الله عليه وآله ) . وفي رواية اخرى قال الإمام عليه السلام : ( قفوا ولا تبرحوا ، هاهنا والله مناخ ركابنا ، وهاهنا والله محط رحالنا ، وهاهنا والله تسفك دمائنا ، وهاهنا والله يستباح حريمنا ، وهاهنا والله محل قبورنا ، هاهنا والله محشرنا ومنشرنا ) .

وقد ذكر أصل الحادثة ، وأن الحسين عليه السلام قد سأل من أصحابه عن اسم تلك الأرض كل من تعرض لنزوله إلى كربلاء من دون ذكر وقوف الفرس أو تبديله عليه السلام لأفراسه . لكن ذكر وقوف الفرس المحقق السيد المقرم رحمه الله في كتابه ( مقتل الحسين ) .

ووقوف الفرس لو ثبت كما ليس ببعيد ، ليس غريبا فإن مثاله في أكثر من موقع قد حصل ، فإن الجميع ينقلون عن ناقة النبي صلى الله عليه وآله ، أنها كانت ( مأمورة ) عندما دخل النبي المدينة واختلف المسلمون حيث أن كل قبيلة تريد أن ينزل النبي عليها ، فكانوا يأخذون بخطام الناقة ، فقال لهم الرسول : خلوا سبيلها فإنها مأمورة . حتى أناخت بمربد ليتيمين من الأنصار قرب بيت أبي أيوب الأنصاري حيث نزل النبي وبنى مسجده هناك . وهكذا عندما جاء النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة ، فلما وصل الحديبية وقفت ناقته ولم تتحرك ، وكان ما كان من صلح الحديبية .

وأما سؤال الحسين عليه السلام لأصحابه ، فهو من أجل التأكيد على معنى يريد أن يرتبه على جوابهم ، وهذا من وسائل إلفات السامع وجلب نظره ، فهو يسأل في البداية لكي ينبه المسؤول على وجود موضوع ثم يرتب عليه الحكم ، والنتيجة .. ما اسمها ؟ ربما كان بعض الموجودين خصوصا من أهل الحجاز لا يعرفون تفاصيل تلك المناطق العراقية وأسماءها ، فلا بد من تعريفهم من خلال إثارة السؤال لكي يجيب عليه من يعرفها من حيث اسمها ، ثم يكمل الإمام ذلك بأن هذه الأرض هي أرض الشهادة .. وأنهم على موعد معها .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 01:34 AM
تابع

سؤال 12 : هل ما يحدث الآن للشعب العراقي من مشاكل ومآس ٍهو نتيجة دعوة الإمام الحسين ( اللهم فرقهم تفريقا .. ولا ترض الولاة عنهم أبدا ..) ؟ بل ما حدث على مر التاريخ !



النص كما نقله في معالم المدرستين عن مقتل الخوارزمي :

...فلما رآه الحسين رفع شيبته نحو السماء ، وقال : اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك محمد ( ص ) وكنا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه ، اللهم فامنعهم بركات الأرض ، وفرقهم تفريقا ومزقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فانهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلونا .

الجواب : أولا من حيث ورود هذه الكلمات فقد ورد هذا الدعاء المنسوب للحسين عليه السلام في أكثر من مصدر تاريخي فقد ورد في الارشاد للشيخ المفيد ، ومثير الأحزان لابن نما الحلي وفي البحار للمجلسي وعوالم العلوم للبحراني ونقله في معالم المدرستين عن مقتل الخوارزمي ، ونقله الطبري في تأريخه وأبو مخنف في مقتل الحسين والشيخ الطبرسي في إعلام الورى بأعلام الهدى وابن عساكرفي ترجمة الإمام الحسين عليه السلام وكثير غيرهم ..

والبحث في كلمات الدعاء يتم من خلال ثلاثة محاور :

الأول : من خلال انسجامها مع الرؤى والثوابت الاسلامية العامة : فإنه من المعلوم أنه ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) ولا يتحمل اللاحقون مسؤولية ما اختاره السابقون بارادتهم . نعم هناك بعض الآثار الوضعية التي قد تترتب على اللاحق بسوء اختيار السابق ، ولكن هذا ليس منها قطعا ، وإلا كان قانون ( من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) متخلفا وغير كلي ، بل يصبح من يعمل مثقال ذرة شرا يراه غيره من اللاحقين ، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يضع منه ويخسره على أثر عمل السابقين من أجداد أجداد قبيلته , وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به ، وإلا بطل الثواب والعقاب والمسؤولية الفردية عن العمل .

بل ذلك يخالف عدالة الله سبحانه ، واعتقادنا فيه ـ لا سيما الشيعة الإمامية ـ القائلة بأن عدل الله هو أصل من الأصول كما هو المعروف بينهم .

فهل يعقل أن يدعو الإمام الحسين عليه السلام على مجموعة من المؤمنين المخلصين في هذا الزمان بسوء الحال وبأن يمنعوا من بركات الأرض وقطر السماء ، لأن شخصا من سلسلتهم النسبية قبل ألف وثلاثمائة وثمانين قد قام بعمل سيء ، وقاتل الحسين عليه السلام ؟ هذا لا يعقل .

ثم إن كون الانسان مولودا في منطقة جغرافية معينة أمر ليس باختياره هو حتى يكتسب الذم والاثم والمشاكل المستقبلية ، والفقر والظلم ، وإنما يكتسب الانسان تلك الأمور بناء على اختياراته .

ونحن كما نجد ما ظاهره الذم لأهل العراق أو أهل الكوفة ، وهو ليس خاصا بالإمام الحسين عليه السلام بل نقل عن الإمام أمير المؤمنين كلمات تنتهي إلى هذا المعنى .. فإننا نجد أيضا كلمات ظاهرها المدح والثناء على أهل تلك المناطق ، والاشادة بهم .. ولا يعقل أن يكون هناك تضاد بين كلمات الأئمة عليهم السلام ، فيبقى أن يقال أن الذم هو لجهة والمدح لأخرى . وتلك الجهة قد تكون بلحاظ الساكنين فيها في زمان فيذمون ، فإذا تغيروا وجاء جيل جديد يحتوي على صفات جيدة فإنهم يمدحون فإنه قد ألف أصحابنا كتبا كثيرة في فضل الكوفة ، ورووا فيها روايات كثيرة تصف أهلها بأنهم شيعتهم وأنصارهم ..الخ .

الثاني : محور النص نفسه فقد فُرض في النص واقعة خارجية وقوم معينون محصورون ضمن موقف اتخذوه ، وقد حكم عليهم بحكم هو مفاد الدعاء الذي طلب الحسين فيه من الله سبحانه أن يجعلهم كذلك . وقد ذكر العلماء فروقا بين القضية الواقعية وبين القضية الخارجية ، منها ما يرتبط بالمقام أن القضية الحقيقيةلا يتكفل فيها المتكلم بإحراز الواقع وإنما هي قضية فرضية أو شرطية ، متى حصلت يترتب عليها الحكم ، فإذا قال مثلا : الخمر حرام فهو لا يتكفل بإحراز الموضوع وأن هذا السائل الخارجي خمر أو لا ؟ وإنما لو فرض وجود سائل وصدق عليه الخمر ـ في هذا الزمان أو غيره ـ فإنه يكون حراما .

وهذا بخلاف القضية الخارجية فإن المتكلم يحرز الموضوع ويرتب عليه الحكم . مثل علي مع الحق والحق مع علي ، فإن النبي صلى الله عليه وآله ، عين وأحرز الموضوع وهو شخص الإمام عليه السلام ورتب عليه كونه مع الحق ، وكون الحق معه .

ومقامنا هو من القسم الثاني ، فإن الإمام الحسين عليه السلام ، يشير إلى هؤلاء بقوله ( اللهم اشهد عليهم .. اللهم فامنعهم قطر السماء وبركات الأرض .. ) . فهو يتحدث عن قوم موجودين أمامه ، ويدعو عليهم دون أن يتعرض إلى من سيأتي بعدهم ومن هم في أصلابهم إلى يوم الدين .

بل يزيده وضوحا ، أن الإمام عليه السلام قد علل دعاءه عليهم ، بصفات خاصة بهم ، ولا تتعداهم إلى غيرهم ، فقد قال معللا : .. فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا . . ومثل هاتين الصفتين لا تتحقان في غير القضية التاريخية المحدودة بزمانها .. نعم يمكن أن يأتي في المستقبل ممن هم أسوأ حالا ، أو أمثالهم ، ولكن هذا بحث آخر .

الثالث : المحور التاريخي : أن الكوفة والتي كانت تعرف بكوفة الجند ، كانت مجمعا للقبائل العربية المختلفة فكان منها القحطاني والعدناني وعرب الجنوب والشمال ، وسكن فيها أكثر أفراد القبائل العربية ، وهناك تكاثروا واستوطنوها . فقد قسمت أسباعا في كل سبع كانت قبيلة .

ـ ولو نظرنا إلى ألقاب قتلة الحسين عليه السلام وأصحابه ، لرأينا التنوع بحيث لا يمكن القول بأن الذي قتلوه هم أهل العراق بالمصطلح السياسي الحديث والذي يختلف عما كان يعنيه هذا المصطلح في تلك الفترات . فنحن نجد أن الذي قتل عليا الأكبر بن الإمام الحسين عليه السلام هو مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ، من بني عبد القيس وهذه قبيلة أصولها سكنت في البحرين ( والقطيف حاليا ) وسكن قسم آخر منها في البصرة فيما بعد أيام أمير المؤمنين ، وسكن قسم منها في الكوفة .

والذي قتل ابا الفضل العباس بن أمير المؤمنين هو ( يزيد بن الرقاد ( وقاد ) الحيتي ، وحكيم بن الطفيل الطائي ) كما ورد في الزيارة المنسوبة للإمام الحجة والتي فيها اسماء الشهداء وقتلتهم . والطائي من قبيلة طي عرب الجنوب ، وسكنهم في غرب الجزيرة العربية حاليا أي على البحر الأحمر .

والذي قتل عثمان بن أمير المؤمنين ، هو خولى بن يزيد الاصبحي الايادي ، والاباني الدارمي والأصبحي من عرب الجنوب :اليمن .

والذي قتل عبد الله بن الحسن بن علي الزكي ، لعن الله قاتله وراميه حرملة بن كاهل الأسدي وبنو أسد مكانهم الحجاز وهم من عرب الشمال .

والذي قتل القاسم بن الحسن هو عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والأزديون ليسوا من الكوفة بل من البصرة ، ودورهم في حرب الجمل معروف .

والذي قتل محمد بن عبد الله بن جعفر قاتله عامر بن نهشل التميمي والتميميون أصولهم من عرب الشمال : عدنانيون .

والذي شارك في قتل الإمام الحسين عليه السلام بنحو واضح : حرملة بن كاهل الأسدي وخولى بن يزيد الاصبحي ، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي . ومن ورائهم عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري . وتتنوع قبائل هؤلاء بين قحطانية وعدنانية ، ومن حيث مساكنها بين مكة والبصرة والكوفة واليمن .وحرملة وشمر وعمر بن سعد من عرب الشمال وأصولهم في مكة .

في المقابل وجدنا أن عددا كبيرا من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام كانوا من العراق والكوفة بحسب هذا الاصطلاح ، فلمَ لا يحسب هذا ويحسب ذاك . يقول أحد المحققين إن أكثر أنصار الحسين عليه السلام كانوا من الكوفة .(1)



1- راجع أنصار الحسين : الرجال والدلالات .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 11:30 PM
تابع

سؤال 13: يقرأ الخطباء جملة ( فخرجن من الخدور ناشرات الشعور ) فكيف يمكن تفسير ذلك من الناحية الشرعية ولزوم الستر ؟.


ورد أن زينب كانت تخاطب عمر بن سعد والحسين عليه السلام صريع على الأرض قبل أن يحتز نحره : أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه .. قال الشيخ المفيد :

، وخرجت أخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص : ويحك يا عمر ! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ فلم يجبها عمر بشئ ، فنادت : ويحكم أما فيكم مسلم ؟ ! فلم يجبها أحد بشئ )(1).

وأما عن اللفظ المذكور فهو لم يرد بهذا النص إلا في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة ، وهي إن قيل بعدم ثبوتها عن المعصوم فلا حجية فيه ، وإن قيل بثبوتها من الناحية السندية فيمكن توجيه هذه العبارة بعدة توجيهات :

الأول : أنهن خرجن من خدورهن لا إلى المعركة على هذه الحالة ، وإنما بداية خروجهن من الخيمات الخاصة بالنساء إلى فناء المخيم أو الخيمات الأخرى ، إذ أن بعض المصادر التأريخية تذكر بأن الإمام الحسين عليه السلام يوم التاسع أمر أن تجعل خيام النساء متوسطة في المخيم ، بحيث تحيطها باقي الخيمات من الجهات المختلفة ، وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يقوم به المؤمنون حتى في الأحوال العادية حيث يؤمنون لنسائهم أكبر ما يمكن من حال الستر والحفظ والحماية . فلما جاء جواد الحسين عليه السلام وعرفن بعظم المصيبة قمن بما تقوم به كل امرأة ثاكل وفاقد من البكاء ونشر الشعر أي حله وترك الزينة واللطم ، وخرجن من خيماتهن إلى خارجها ولكنهن ما زلن في داخل المخيم , ولم يخرجن إلى المصرع بهذه الحالة .

والثاني : بأن خروجهن ربما لا يكون على نحو بحيث تظهر شعورهن للأجانب خصوصا مع ملاحظة بعد المسافة بين مخيم الإمام الحسين وبين موقف الجيش الأموي . فمن المعروف أن المسافة كانت على الأقل بحيث تبتعد فيها المخيمات عن المرمى المباشر للسهام والنبال ، وإن كانت ربما يصل بعضها بحسب ما ورد في أحداث اليوم العاشر ، أن بعض سهام القوم ونبالهم قد وصلت إلى المخيمات ..وهذه المسافة ( وهي كما قيل أن غلوة السهم قرابة مائتين وخمسين مترا ) لا تسمح بالرؤية المباشرة .

والذي يلاحظ بقايا الاسماء للمواقع كما هي في مدينة كربلاء يجد هذه المواقع ( التل الزينبي ) و ( محل مقتل الحسين عليه السلام ) و( المخيم ) وفي الجهة الأخرى محل مصرع أبي الفضل العباس قرب شريعة الفرات يجد أن المسافة بين المخيم حيث أن المفروض أنه هو الموقع الحقيقي لخيام الحسين عليه السلام وبين مصرع أبي الفضل الذي كان في طريقه إلى المخيم قادما من الفرات بعدما ملأ القربة ، يجدها مسافة بعيدة لا تسمح للأعداء بالنظر والاطلاع على أحوال النساء حتى لو فرضنا خروجهن على باب المخيم .

هذا كله بالنظر إلى نفس العبارة ، وأما لو فرضنا ما نعرفه من التزام نساء أهل البيت عليهم السلام بالحجاب والعفاف ومحافظتهن عليه ، فإنه يشكل قرينة قطعية على أن المقصود من العبارة ـ على فرض صدورها من المعصوم ـ لا يراد منها معناها الظاهري جزما .

وبالطبع هذا يختلف عما بعد السبي والسلب ، فإنهن في تلك الحال كن مسبيات مسلوبات الارادة ، وليس معهن ما يستترن به بعد أخذت منهن تلك الأشياء ، وسلبت منهن . وإنما الكلام في ما قبل السبي حيث أن ظاهر العبارة أنهن فعلن ذلك بارادتهن ، وتوجيهه هو ما عرفت .



1- الارشاد 2- 112

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
21-01-2008, 11:41 PM
تابع

سؤال 14 : كيف يوفق بين قول الحسين : إن الله حاميكن وحافظكن ، وبين أخذهن سبايا ؟




الجواب: ذكر أن الإمام الحسين عليه السلام ، قال في وداعه للنساء : ( استعدوا للبلاء ، واعلموا أن الله حافظكم وحاميكم ، وسينجيكم من شر الاعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذب أعاديكم بأنواع البلاء ويعوضكم الله عن هذه البلية أنواع النعم والكرامة ، فلا تشكوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم )(1) .

مع معرفة الغاية من سبي النساء في الزمن السابق يتضح لنا الوجه في كلمة الإمام الحسين عليه السلام على فرض صدورها .. فإن الملاحظ لحالات السبي في الزمان السابق لا سيما بالنسبة للنساء ، أن المرأة المسبية كانت تتخذ لأحد أمرين في الغالب : إما الاستمتاع الجنسي أو الخدمة المنزلية ، وقد يجتمعان في بعض النساء(2) .

وهذا المعنى هو الذي جعل بعض القبائل العربية قبل الإسلام تقوم بوأد البنات خوفا من أن يسبين ويتعرضن للانتهاك بالمعنى المتقدم . بل بقي في بعض القبائل آثاره إلى ما بعد الإسلام .

وبناء على هذا فإن ما حصل طيلة فترة السبي التي امتدت لأربعين يوما ، سلكت فيها النساء مدنا وقرى ، وصحاري وأماكن بعيدة ، ودخلن المجالس ، ولم يتعرضن ـ مع توفر الدواعي ـ لأي شيء مما سبق ذكره ، بل حتى لما أراد أحد أهل الشام أن يطلب واحدة من المسبيات : هب لي هذه الجارية ! قالت له زينب : ما ذلك لك ولا لأميرك .

ولم يقصد من كلام الإمام عليه السلام ، أنهن لن يتعرضن للضرب ، أو الأسر ، فهذا المقدار هو مقوم الأسر وإلا لم يكونوا قد أخذوهن لأجل أن يتفرجن ويتنزهن .

وبالفعل فقد حفظهن خالقهن كما سبق ، وحماهن ، وجعل عاقبة أمرهن إلى خير كما يلاحظ كل ناظر إلى النتائج التي ترتبت على ذلك السبي ، من نصر الدين وإعلاء كلمة الله ، وافتضاح أمر الظالمين ، وانقلاب الأمر عليهم .



1 - كلمات الإمام الحسين عليه السلام : الشيخ الشريفي

2 - وإليه يشير ما في لسان العرب لابن منظور ج 3 ص 410 :

قول أبي صرد لعيينة بن حصن وقد وقع في سهمته عجوز من سبي هوازن : أخذ عيينة بن حصن منهم عجوزا ، فلما رد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، السبايا أبى عيينة أن يردها فقال له أبو صرد : خذها إليك فوالله ما فوها ببارد ، ولا ثديها بناهد ، ولا درها بماكد ، ولا بطنها بوالد ، ولا شعرها بوارد ، ولا الطالب لها بواجد .


سؤال 15: عن موضوع زواج أو عقد القاسم ؟

الجواب: نقل السيد هاشم البحراني في كتابه مدينة المعاجز ما يلي :

الرابع والثمانون العوذة التي ربطها - عليه السلام - في كتف ابنه القاسم وأمره أن يعمل بما فيها - الفخري : قال : روي انه لما آل أمر الحسين - عليه السلام - إلى القتال بكربلاء وقتل جميع أصحابه ووقعت النوبة على اولاد أخيه الحسن - عليه السلام - جاء القاسم بن الحسن - عليهما السلام - وقال : يا عم الاجازة لامضي إلى هؤلاء الكفار. فقال له الحسين - عليه السلام - : يابن أخي أنت من أخي علامة واريد أن تبقى ( لي ) لاتسلى بك ولم يعطه إجازة للبراز . فجلس مهموما مغموما باكي العين حزين القلب وأجاز الحسين - عليه السلام - إخوته للبراز ولم يجزه ، فجلس القاسم متألما ووضع رأسه على رجليه وذكر أن أباه قد ربط له عوذة في كتفه الايمن وقال له إذا أصابك ألم وهم فعليك بحل العوذة وقراءتها فافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبا فيها ، فقال القاسم لنفسه : مضى سنون علي ولم يصبني مثل هذا الالم فحل العوذة وفضها ونظر إلى كتابتها وإذا فيها : يا ولدي ( يا ) قاسم اوصيك إنك إذا رأيت عمك الحسين - عليه السلام - في كربلاء وقد أحاطت به الاعداء فلا تترك البراز والجهاد لاعداء ( الله واعداء ) رسوله ولا تبخل عليه بروحك وكلما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز لتحظى في السعادة الابدية . فقام [ القاسم ] من ساعته وأتى إلى الحسين - عليه السلام. وعرض ما كتب ( أبوه ) الحسن - عليه السلام - على عمه الحسين - عليهما السلام - فلما قرأ الحسين - عليه السلام - العوذة ، بكى بكاء شديدا ونادى بالويل والثبور وتنفس الصعداء ، وقال : يا ابن الاخ هذه الوصية لك من أبيك ، وعندي وصية أخرى منه لك ولابد من انفاذها . فمسك الحسين - عليه السلام - على يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا ، وقال لام القاسم - عليه السلام - : ليس للقاسم ثياب جدد ؟ قالت : لا . فقال لاخته زينب : ائتيني بالصندوق فأتت به إليه ، ووضع بين يديه ، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن - عليه السلام - ، والبسه القاسم ، ولف على رأسه عمامة الحسن - عليه السلام - ، ومسك بيده ابنته التي كانت مسماة للقاسم - عليه السلام - فعقد له عليها وأفرد له خيمة وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما . فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه ، ويبكي إلى أن سمع الاعداء يقولون : هل من مبارز ؟ فرمى بيد زوجته واراد الخروج ( من الخيمة فجذبت ذيل القاسم ومانعته من الخروج ) وهي تقول [ له ]: ما يخطر ببالك ؟ وما الذي تريد [ أن ] تفعله ؟ قال لها : أريد ملاقاة الاعداء فانهم يطلبون البراز واني ( إلى الميدان عازم وإلى دفع الاعداء جازم ) ، فلزمته الزوجة ، فقال لها : خلي ذيلي فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة ، فصاحت وناحت وأنت من قلب حزين ، ودموعها جارية على خديها ، وهي تقول : يا قاسم أنت تقول عرسنا أخرناه إلى الاخرة ، وفي القيامة بأي شئ أعرفك ؟ وفي اي مكان أراك ؟ فمسك القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها وقال : يا بنت العم اعرفيني بهذه الردن المقطوعة فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم ، وبكوا بكاء شديدا ، ونادوا بالويل والثبور . قال من روى : فلما راى الحسين - عليه السلام - أن القاسم يريد البراز ، قال له : يا ولدي أتمشي برجلك إلى الموت ؟ قال : وكيف يا عم وأنت بين الاعداء وحيد فريد لم تجد محاميا ولا صديقا ؟ روحي لروحك الفداء ، ونفسي لنفسك الوقاء . ثم ان الحسين - عليه السلام - شق أزياق القاسم وقطع عمامته نصفين ثم أدلاها على وجه ثم ألبسه ثيابه بصورة الكفن وشد سيفه بوسط القاسم وأرسله إلى المعركة .. انتهى ما في مدينة المعاجز .

وقد صار موضوع عرس القاسم وزواجه محلا للنقاش والجدال بين الكتاب ، والخطباء بأكثر مما يستحقه مع أنه لا يترتب عليه أثر شرعي عملي ـ بحسب الظاهر ـ إلا فيما لو نقله أحد جازما مع عدم ثبوت الكلام عن المعصوم فإنه قد يدخل في باب الكذب عليه .

ويظهر أن المعركة الأكبر كانت بغير اللغة العربية كما هو واضح من تتبع أسماء الكتب المؤلفة في تأييد وقوع العرس وفي نفيه ، فالنصيب الأكبر هو باللغة الأردية ، تليها الفارسية وأقلها اللغة العربية .

وقد تعرض للنفي المحقق السيد المقرم في المقتل فقال : كل ما يذكر في عرس القاسم غير صحيح لعدم بلوغه سن الزواج ولم يرد به نص صحيح من المؤرخين ، والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم ، فلا يمكن لأحد أن يتصور في حقه هذه الخرافة ، فثبوتها في كتابه المنتخب ( والمعروف بالفخري ) مدسوسة في الكتاب وسيحاكم الطريحي واضعها في كتابه !

كما أن الدكتور الشيخ الوائلي رأى الحادثة لا تخلو من إشكالات مختلفة فقال : إن الرواية في موضوع الزواج غير معتبرة ، يضاف لذلك أن مسألة الزواج يمكن تصورها على نحوين : النحو الأول هو الزواج بمعنى الدخول فهذا أركانه غير متوفرة فالقاسم صغير لم يبلغ الحلم يومئذ والمرأة المروي أنه تزوج بها كانت ذات بعل يومئذ يوم الطف والجو الذي كان فيه أهل البيت ليس يوم زواج أو فرح وأما النحو الثاني فهو بمعنى العقد أي أن الحسين قد عقد للقاسم على إحدى بناته ، فيمكن أن يرد هنا سؤال وهو أنه ما هي الغاية من ذلك ؟ والامام عليه السلام يعلم أن القاسم سيقتل بعد ساعة بالاضافة إلى إشكالات أخرى(1) ..

فإن جريان الحادثة بالنحو الذي مر ذكره في نص الفخري والذي نقله عنه في مدينة المعاجز بعيد ، فالمعروف أن عمر القاسم بن الحسن يوم كربلاء أنه لم يبلغ الحلم ، أي لم يصل إلى عمر الخامسة عشر ، بينما استشهد الإمام الحسن عليه السلام قبل حادثة كربلاء بأحد عشر سنة ، فلا يحتمل ـ بحسب الأوضاع العادية ـ أن يكون الإمام قد أوصى إلى ولده القاسم وحدثه بكل ذلك الحديث وهو في الثالثة من العمر ، وأنه قد استوعب ذلك ، وطوال هذه المدة كان ناسيا للموضوع وللعوذة حتى إذا حصل أمر كربلاء تذكر كل تلك الأمور فانحلت المشكلة !! أو أن الحسين عليه السلام كان أيضا غافلا عن وصية الزواج حتى إذا تذكر القاسم أمر العوذة وذكّر الحسين بها ، ذكر الحسين الوصية الأخرى ! خصوصا إذا تم ما نقل من أن الحسين عليه السلام قد أخبر أصحابه بمصارعهم ليلة العاشر ، ومن ضمن من أخبرهم كان القاسم أيضا ..

وكذا في قول الحسين عليه السلام له ـ بناء على ما سبق ـ أنه يريده أن يبقى له ليتسلى به فهل كان الحسين باقيا حتى يتسلى به أو أنه سيستشهد بعد قليل ؟

ثم الطريقة التي دار فيها الحوار بين القاسم وبين سكينة ، فهي في البداية لا تريده أن يخرج وإنما تريد العرس والزواج ، بينما المعروف عنها ( أن الغالب عليها الاستغراق مع الله ) وقد أضافت بعض المصادر كلمة ( فلا تصلح لرجل ) لو ثبتت فهل تلك التي لا تصلح لرجل تمنع القاسم عن نصرة الإمام في ذلك اليوم العصيب بدعوى أنها تريد الزواج ؟

وكيفية المعرفة في يوم القيامة والآخرة .. هل طريقها الردن ـ وهو طرف الكم ـ المقطوع؟



1 - تجاربي مع المنبر - 130


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
22-01-2008, 04:14 PM
تابع

سؤال 16: أين قبر السيدة زينب عليها السلام ؟




الجواب: حيث أن العلامة الشيخ الصفار قد تحدث في هذا الموضوع في كتابه المطبوع والمسمى بـ ( المرأة العظيمة : قراءة في حياة السيدة زينب ) وجمع فيه أطراف الموضوع فأوعى ، لذلك سوف ننقل ما ذكره هناك حيث نراه موافقا للمختار ، وننقله مع شيء من الاختصار فقد كتب تحت عنوان :


" شيء من التحقيق


لقد بذل العديد من العلماء والباحثين جهودهم ، وخاضوا غمار البحث والتحقيق ، لمحاكمة الروايات والنقول التاريخية حول قبر السيدة زينب الكبرى .والأراء التي ناقشها العلماء والباحثون تنحصر في ثلاثة احتمالات :

1 ـ المدينة المنورة .

2 ـ مصر .

3 ـ دمشق .


أولاً ـ المدينة المنورة

دافع العلامة السيد محسن الأمين العاملي عن هذا الرأي باعتبار أن المدينة هي موطن السيدة زينب وأن من الثابت عودتها الى المدينة بعد واقعة كربلاء ، فاستصحاباً نحكم بأن وفاتها وقبرها في المدينة المنورة مالم يثبت العكس ، وقال نصه :

يجب ان يكون قبرها في المدينة المنورة فانه لم يثبت أنها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها ، وان كان تاريخ وفاتها ومحل قبرها بالمدينة مجهولين ، ويجب أن يكون قبرها بالبقيع وكم من أهل البيت أمثالها من جهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصاً النساء .

وناقش هذا القول البحاثة الشيخ محمد حسنين السابقي بما يلي : نحن لا ننكر أن يكون مدفنها الطاهر في البقيع في المدينة المنورة إذ هي وطنها الكريم وبها قبور اخوتها وشيوخ قومها وجدها وأمها ولكن بشرط أن يقوم عليه دليل قاطع أو نصٍ تاريخي .

لأن قبور البقيع ذكرها المؤرخون قديماً وحديثاً يذكرها ابن النجار في ( تاريخه ) ، والسمهودي في تاريخه الحافل ( وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ) في باب مخصوص لذكر مزارات أهل البيت والصحابة ولا نجد فيها قبر العقيلة زينب لا في القبور المعمورة ولا المطموسة .

ولكان لمرقدها ذكر ولو في القرون الأولى كما بقي لمن دونها في الرتبة من بني هاشم بل ولمن يمت اليهم بالولاء أيضاً .

على أن الذين ذهبوا الى هذا القول انما مستندهم الإستصحاب الأصولي وهو أنه ثبت أن العقيلة زينب دخلت المدينة بعد محنة أخيها ورجوعها من الشام وكانت بالمدينة في قيد الحياة ثم شككنا هل ماتت في الشام أم لا ؟ فالاستصحاب يقول : الأصل عدم موتها بالشام بل بالمدينة حتى يحصل لنا شيء يزيل هذا الشك ويثبت لنا باليقين أنها ماتت بالشام .

وهذا الدليل لا غبار عليه في نفسه ولكن لا يستدل بمثله في القضايا التاريخية ، ولو قلنا به فثبت ما أزال هذا الشك بما رواه ابن طولون الدمشقي من ذهابها الى الشام وموتها بها وعليه أكثر الفقهاء المجتهدين الأصوليين .

ثانياً : بين القاهرة ودمشق

وإذا لم يكن هناك أثر نقلي يتحدّث عن قبر للسيدة زينب كبرى في المدينة المنورة ولا يوجد مقام ظاهر ينسب لها هناك ، فإنّ الأمر ليس كذلك فيما يرتبط بمصر والشام ، حيث توجد روايات ونصوص تاريخية يستدلّ بها أنصار كلّ من الرأيين ، كما يتعالى في سماء القاهرة ودمشق مقامان شامخان ينسبان للسيدة زينب ، وتؤمّهما جماهير المؤمنين ويقصدهما الزائرون .

لكنّ المطالعة الدقيقة والبحث الموضوعي في أدلّة الطرفين يرجّح كفّة الأطمئنان إلى أنّ مشهد الراوية في دمشق هو الأقرب إلى الصحّة والواقع .

وذلك لتظافر الأدّلة في كتب المؤرخين والرحّالة والسّائحين منذ القرون السابقة وإلى الآن .

ولضعف مستند القائلين بسفر السيدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها فيها ، وللإحتمال الكبير في أن يكون المقام في مصر لزينب أخرى من أهل البيت .

وقد أفرد بعض العلماء كتباً ورسائل لتحقيق هذا الموضوع ، ومن أبرزهم العلامة المرحوم الشيخ فرج العمران القطيفي ( 1321 هـ ) والذي ألّف رسالة تحت عنوان ( المرقد الزينبي ) سنة ( 1377 هـ ) وطبعها في النجف الأشرف ـ العراق ) وكانت نتيجة البحث التي انتهى إليها في رسالته هو ترجيح المقام الزينبي في مشق ، وأنّه للسيدة زينب الكبرى .

والبحث الآخر والأعمق هو للبحّاثة الباكستاني الشيخ محمد حسنين السّابقي ، ويقع في أكثر من (240 صفحة ) وقد طبع في بيروت سنة ( 1399 هـ 1979 م ) .

ونقتبس منه الفقرات التالية بشيء من الاختصار إنّ رحلة السيدة العقلية إلى مصر واقامتها هناك وتليبتها لداعي حماها وحديث مدفنها بها قضية من أهمّ القضايا التي لا يفوت ذكرها كلّ مؤرخ يقظان .

ولا أقلّ من أن يذكره والمؤرّخين الذين نشأوا في مصر خان ولكنهم بأجمعهم لم يشيروا اليه أدنى اشارة .

وتتجلى هذه الحقيقة بعدما نرى اهتمام المصريين باحاطة الأخبار وضبط الحوادث المتعلقة ببلادهم .

فأول مدوّن لتاريخ مصر في الإسلام هو عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري المتوفى ( 257 هـ ) له في تاريخ مصر كتاب حافل سماه « منهج السالك في أخبار مصر والقرى والممالك » ذكر فيه تراجم كثير من الصحابة ممن دخل مصر .

وتبعه أبو عمرو محمد بن يوسف الكندي المتوفى ( 354 هـ ) وله عدة تأليفات في تاريخ مصر .

ثم برع في تدوين أخبار مصر والأحاطة بحوادثها أبو محمد حسن بن إبراهيم بن ذولاق الليثي المصري المتوفى ( 387 هـ ) .

ثم تلاه في هذا الموضوع عز الملك محمد بن عبدالله بن أحمد الحراني المسبحي المتوفى سنة ( 420 هـ ) .

ثم المؤرخ المتتبع القاضي أبو عبدالله محمد بن سلامة القضاعي الشافعي المتوفى ( 453 هـ ) ولم يقصر همه على ضبط الحوادث التاريخية فقط بل ألف في المزارات المقصودة للزيارة والتبرك التي تشد اليها الرحال وله في هذا الموضوع كتاب ( اُنس الزائرين ) ترجم فيه للسيدة نفيسة وعين مدفنها وليس فيه لقبر زينب الكبرى عين ولا أثر .

ثم اعطف الى المقريزي والسيوطي والقلقشندي وغيرهم لم نجد أحداً من هؤلاء أنه ذكر دخول السيدة زينب الكبرى في مصر ومدفنها بها .

على أن هناك جماعة من مؤرخي مصر ممن أفرد تأليفه في تحقيق المزارات والقبور والمساجد كابن يونس والهتناني والقرشي صاحب ( المزارات المصرية ) وابن سعد النسابة صاحب ( مزارات الأشراف ) وابن عطايا والحموي الذي ذكر جملة من مزارات مصر ، وموفق الدين صاحب ( مرشد الزوّار ) ترى هؤلاء الإعلام يترجمون أصحاب القبور ويميزون بين المزارات الصحيحة والمزورة من العلويين وغيرهم في مصر .

ولم يذكر أحد من هؤلاء أن العقيلة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين مدفونة في مصر.

إن كبار المؤرخين المطلعين على تاريخ مصر بدقة وتحقيق لم يصح لديهم دخول أي ولد لأمير المؤمنين لصلبه في مصر .

قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي المتوفى ( 576 هـ ) : ـ لم يمت له ـ أي لعلي ـ ولد لصلبه في مصر .

قال الحافظ المؤرخ أبو محمد حسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري المتوفى ( 387 هـ ) : أول من دخل مصر من ولد علي سكينة بنت علي بن الحسين . وبه قال السخاوي . وفي لفظ آخر للسخاوي : إن المنقول عن السلف انه لم يمت أحد من أولاد علي لصلبه في مصر .

فكيف من المعقول ان تدخل العقيلة زينب مصر وتقيم هناك زهاء السنة ثم تقبر على مرأى من المحاشد الجمة ومسمع ، ولا يعرف أمرها أحد من المؤرخين الذين عهدهم قريب بتلك الحادثة المهمة .

والإمام الشافعي كان يتجاهر بالولاء لأهل البيت ، وقد ورد في سيرته أنه كان يزور السيدة نفيسة لكن لم يرد أنه زار السيدة زينب هناك.

كما دخل مصر جملة من الرحالين كابن جبير وابن بطوطة وابن شاهين وذكروا ما شاهدوا من القبور المعروفة المقصودة للزيارة في عهدهم ولكن لا تجد أحداً منهم يذكر قبر السيدة زينب الكبرى في مصر . . اللهم الا الرحالة الكوهيني الفاسي الاندلسي الذي دخل القاهرة في ( 14 ـ محرم 369 هـ ).

إن الاشتباه بوجود قبر العقيلة زينب نشأ لتعدد المسميات بزينب من العلويات وغيرهم المدفونات بمصر ، والذهن أسرع تبادراً عند سماع الإسم الى أشهر الأفراد وأكملها .

ومن المعلوم أن عادة العامة والخاصة جرت أنهم ينسبون العلويين الى رسول الله وأمير المؤمنين بلا واسطة.

والظاهر أن المشهد الزينبي المعروف في القاهرة هو للسيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

والمصدر الأساس لدعوى هجرة السيدة زينب الكبرى الى مصر وموتها ودفنها فيها رسالة ( أخبار الزينبيات ) للنسابة العبيدلي ، وحول هذه الرسالة ومؤلفها ورواتها وبالخصوص الرواية المتعلقة بهذا الموضوع حولها كلام عند أهل التحقيق سنداً ومتناً ".

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
22-01-2008, 04:16 PM
تابع


سؤال 17: عن صوم يوم عاشوراء ما هو الاصل فيه ؟ ماهو الرأي الشرعي ولماذا يصومه بعض المسلمين ؟




يقول علماؤنا أنه يحرم صوم يوم عاشوراء إذا صامه الرجل بنية التبرك والتيمن لما ورد في الرواية أن ( من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد ، قال : قلت : وما كان حظهم من ذلك اليوم ؟ قال : النار ) ، وإذا صامه بقصد انه مستحب على العموم كسائر أيام السنة التي لا خصوصية فيها ، صح صومه ووقع مكروها ، وإذا أمسك فيه عن المفطرات حزنا إلى ما بعد العصر ثم افطر كان مستحبا من غير كراهة .

وأما تفصيل المطلب فإنه يوجد في مصادر الجمهور روايات متعددة حول صوم يوم عاشوراء واستحباب ذلك ، وأنه كفارة سنة أو غير ذلك ، كما يستفاد منها أيضا أن صوم عاشوراء كان مألوفا ومعروفا في مكة فكان اهل الجاهلية كانوا يصومونه ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يصومه أيضا فلما نزل شهر رمضان تركه ، بينما في روايات أخرى ما هو مخالف لهذا بل تشير إلى أن أمر صوم عاشوراء كان مجهولا ، وغير معروف حتى للنبي صلى الله عليه وآله وإنما كان موجودا لدى اليهود فاستغرب لما سمع عن صومه ، وسأل عن مناسبة ذلك فأخبروه أنه لأجل إنتصار موسى على فرعون ، فقال : أنتم أولى بموسى منهم . والأمران لا ينسجمان فإن معنى صوم أهل الجاهلية له ـ بل وصوم النبي له ـ أن يكون معروفا عند النبي صلى الله عليه وآله ، بينما استغراب النبي وسؤاله بحسب الرواية الأخرى عن هذا الصوم وما شأنه ؟ يعني أنه لم يكن معروفا عنده صلى الله عليه وآله .

فمن الروايات ما ورد في مسند احمد عن ابن عمر قال كان يوم عاشوراء يوما يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو يوم من أيام الله تعالى من شاء صامه ومن شاء تركه

وفيه أيضا : عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فإذا اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنتم أولى بموسى منهم فصوموه .

كذلك فإننا نعتقد ، ويفترض أن جميع المسلمون يعتقدون ، بأن النبي صلى الله عليه وآله كان أعلم بدين موسى وعيسى من الأحبار والرهبان الذين كانوا حينئذ ـ فضلا عن عامة اليهود والنصارى ـ . فقد سبق أن قال لعدي بن حاتم وكان على دين النصارى ومتعمقا فيه : أنا أعلم بدينك منك(1).

وفي نفس الوقت كان حساسا تجاه النفوذ اليهودي لنفوس المسلمين ودينهم فقد كان الله يعلم ( تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) ، وذلك ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) . وعندما حاول بعض المسلمين أن يقرأ التوراة وينقل ما فيها من المواعظ نهره النبي ونهاه عن ذلك . فكيف يقوم هو بأمر الناس بأن يتابعوا اليهود في صومهم !!

وقبيل الانتهاء من هذه الكتاب عثرت على مناقشة جيدة للمحقق العاملي في الموضوع فألحقت حاصلها به لتتم الفائدة : قال في كتابه الصحيح من سيرة الرسول :

ونحن نعتقد ونجزم : بأن ذلك كله من نسج الخيال . فبعد غض النظر عن :

1 - المناقشة في أسانيد تلك الروايات ، فإن فيهم من لم يات إلى المدينة إلا بعد عدة سنين من الهجرة كأبي موسى الأشعري ، وفيهم من كان حين الهجرة طفلا صغيرا كابن الزبير ، وفيهم من لم يسلم إلا بعد سنوات من الهجرة كمعاوية .

2 - وعن تناقضها فيما بينها ، يكفي أن نذكر : أن رواية تقول : إنه صام يوم عاشوراء في المدينة ، متابعة لليهود ، ولم يكن يعلم به . وأخرى تقول : إنه كان يصومه هو والمشركون في الجاهلية . وثالثة : إنه ترك يوم عاشوراء بعد فرض شهر رمضان . وأخرى : إنه لما صامه قالوا له : إنه يوم تعظمه اليهود ، فوعد أن يصوم اليوم التاسع في العام المقبل ، فلم يأت العام المقبل حتى توفي ( ص )..

وأيضا فإن إطلاق كلمة عاشوراء على العاشر من محرم إنما حصل بعد إستشهاد الامام الحسين " عليه السلام " ، وأهل بيته وصحبه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ثم إقامة المآتم لهذه المناسبة من قبل أئمة أهل البيت ( ع ) وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم ، ولم يكن معروفا قبل ذلك على الاطلاق . وقد نص أهل اللغة على ذلك ، فقد قال ابن الأثير ، " هو اسم إسلامي ". وقال ابن دريد : إنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية . وثالثأ : إننا لم نجد في شريعة اليهود صوم يوم عاشوراء ، ولا هم يصومونه الآن ، ولا رأيناهم يعتبرونه عيدأ أو مناسبة لهم(2).


ثم إنه يوجد في روايات أهل البيت عليهم السلام ثلاث طوائف من الروايات :

الأولى : ما يدل على النهي عنه وأن الصائم في ذلك اليوم حظه حظ آل زياد وهو النار كما ورد في رواية عن الصادق عليه السلام . فعن الحسين بن أبي غندر ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : سألته عن صوم يوم عرفة ؟ فقال : عيد من أعياد المسلمين ويوم دعاء ومسألة ، قلت : فصوم يوم عاشوراء ؟ قال : ذاك يوم قتل فيه الحسين عليه السلام ، فان كنت شامتا فصم ، ثم قال : إن آل امية نذروا نذرا إن قتل الحسين عليه السلام أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا ، ويفرحون أولادهم ، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم ، فلذلك يصومونه ويدخلون على أهاليهم وعيالاتهم الفرح ذلك اليوم ، ثم قال : إن الصوم لا يكون للمصيبة ، ولا يكون شكرا للسلامة ، وإن الحسين عليه السلام اصيب يوم عاشوراء إن كنت فيمن اصيب به فلا تصم ، وإن كنت شامتا ممن سره سلامة بني امية فصم شكرا لله تعالى .

وفي رواية أخرى عن زيد النرسي قال : سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبدالله عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال : من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد ، قال : قلت : وما كان حظهم من ذلك اليوم ؟ قال : النار ، أعاذنا الله من النار ومن عمل يقرب من النار .

والثانية : يستفاد منها أنه لا مانع منه وأن رسول الله قد صامه وأنه كفارة سنة منها ما عن أبي همام ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : صام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء . ومنها ما عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبدالله عليه السلام عن أبيه ، أن عليا عليه السلام قال : صوموا العاشوراء التاسع والعاشر ، فانه يكفر ذنوب سنة .

والثالثة : فيها التفصيل بأن لا يصام كيوم كامل وإنما إلى ما بعد الظهر ، وأن لا يبيت الصيام فيه ، وأنه في هذه الصورة يكون مطلوبا . فعن عبدالله بن سنان قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط ، فقلت : مم بكائك ؟ فقال : أفي غفلة أنت ؟ ! أما علمت أن الحسين عليه السلام اصيب في مثل هذا اليوم ؟ فقلت : ما قولك في صومه ؟ فقال لي : صمه من غير تببيت ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملا ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء ، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . .

واعتبر جمع من الفقهاء أن هذه الثالثة جامع بين روايات المنع وروايات الجواز .. هذا مع وجود قائلين بالحرمة مطلقا وقائلين باستحباب الصوم فيه مطلقا ، وقائلين بالاستحباب لو صامه على وجه الحزن ..وللحديث المفصل مقام غير هذا المقام ، سواء في جهته الأصولية أو في جهته الفقهية .



1 - الطبري 1

2 - الصحيح من سيرة الرسول ج 4

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
22-01-2008, 04:19 PM
تابع

سؤال 18: ماذا لو لم يخرج الحسين ضد يزيد؟



الجواب: حقا هو سؤال جميل ، فالعادة أن يتم السؤال عن أنه لماذا ثار الحسين عليه السلام ضد يزيد ، وهذا السؤال يتناول القضية من طرفها الآخر .. ما هي الآثار التي يمكن أن تحصل لو لم يخرج الإمام الحسين ولم يقم بثورته ؟ ويمكن تصور الآثار في عدة مستويات :

المستوى الأول : في حدود الفكر الإسلامي ـ في حدوده الزمنية في تلك الفترة وللمستقبل ـ : فلو لم يقم الحسين عليه السلام بثورته تلك ، لكان لدينا معضلة في كيفية التعامل مع الحاكم الجائر الذي يصل به الأمر إلى حدود التصريح بمخالفة العقائد الدينية كما صدر من يزيد بن معاوية . فكيف يتعامل المسلمون مع مثل هذا الحاكم ؟ هل يخضعون له ويتبعونه ؟ أو أنهم ينهضون ضده ؟ لقد سعى الأمويون وأتباعهم إلى إشاعة الفكرة الأولى ودعموها بروايات نسبوها للرسول حاصلها أنه عليهم السمع والطاعة مهما بلغ الأمر ، وأن خروجهم عليه فيه من المفاسد ما هو أكثر من ولايته . ولقد سُخر لهذه الفكرة من الأموال والرجال ، لتكون الفكرة العامة السائدة بين المسلمين ما يفوق الوصف والعد . وكان كل حاكم يأتي يحلم بأمة الإسلام وهي خائرة العزيمة مقيدة الحركة ، لا تستطيع غير الصبر الذليل ، والخنوع الدائم سبيلا . ولولا خروج الحسين عليه السلام وتضحيته بالغالي والنفيس لما أمكن للمسلمين أن ينطلقوا من أسر ذلك الجبت الفكري .

بينما الفكرة الثانية تصطدم بسلوك الإمام الحسين عليه السلام فيما لو لم يخرج ، فلو كان الخروج والثورة مشروعة لما تركها الإمام الحسين عليه السلام .

المستوى الثاني : في حدود الوضع التاريخي الذي كان يعيشه الإمام الحسين عليه السلام ، فإن تشخيص الإمام للوضع الإسلامي آنئذ هو ما قاله : ( وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد ) . إن وجود شخص مثل يزيد وهو ( رجل فاجر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ) على رأس الحكم والقيادة ، يشبه أن تعطي قيادة حافلة مليئة بالركاب في طريق جبلي إلى سائق ثمل ، لا يعرف من السكر موضع قدميه ! بل هو أعظم .

إن ما رآه المسلمون في السنوات العجاف الثلاث التي تسلط فيها يزيد على الأمة ، وما ارتكب من مخاز ومآثم حيث قتل الحسين عليه السلام وصحبه في الأولى ، وأباح المدينة في الثانية وهدم الكعبة في الثالثة ، ولو مُد له في العمر لمد حبل الموبقات . ليشير بالصراحة إلى أنه لم يكن هناك مجال آخر أمام الحسين عليه السلام من الناحية الدينية حفاظا منه على مسيرة الأمة ، إلا الخروج والثورة .

المستوى الثالث : انسجام العمل الثوري الذي قام به الحسين مع الأصول الدينية التي يؤمن بها : فهو من جهة روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله ) من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا بقول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ) وقد طبق هذا على الوضع الموجود آنئذ ( ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيّر ) .

ولو لم يفعل ما فعله لكان متناقضا ـ والعياذ بالله ـ ، فكيف يقول من جهة أن يزيد هكذا ثم يسالمه ويبايعه ويترك الأمر له ؟

إن مبايعة الحسين ليزيد وسكوته عنه ، يعني إمضاء الخطأ الذي ارتكبه معاوية بتولية ابنه يزيد شؤون الخلافة ، وهو الخطأ الذي وقف أمامه الحسين عليه السلام في أيام معاوية عندما قال له : لعلك تصف غائبا أو تنعت محجوبا ، فخل بين يزيد وبين الكلاب المهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن ودع عنه ما تحاول من الخلافة !! فهل يمضي اليوم ما رفضه بالأمس ؟ وهل يمضي ببيعته ليزيد أعماله المخالفة للدين ؟ إنه حينئذ يفقد صفات الإمام ..

قد يقول قائل : إن الحسين لو ترك يزيدا وشأنه ، فلا هو يثور عليه ، ولا يبايعه .. ألم يكن ذلك مخرجا مناسبا ؟

وجوابه : أننا لا نفتش عن مخارج للحسين عليه السلام !! ولم يكن يزيد بالذي يترك الحسين عليه السلام ، فإن هؤلاء الظالمين لا يحتملون أحدا يكون إلى جانبهم ، وهو أضعف منهم شأنا فكيف إذا كان أعلى منهم منزلة ، وأرفع شأنا عند الخلائق ؟ وقد بين الإمام عليه السلام أن الأمر قد انتهى بقوله : ( ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة (1) والذلة وهيهات منا الذلة ) وفي ذلك إشارة إلى سياسة يزيد ، وإلى رسالته لواليه على المدينة ، فإن يزيد قد أرسل رسالة ليقرأها على الناس وأرسل إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد : فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة اخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام(2).

1 - أي استلال السيوف

2 - مقتل الحسين للأزدي

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
23-01-2008, 12:54 AM
تابع

سؤال 19: هل يجوز تمثيل الواقعة الحسينية سينمائيا أو غير ذلك ؟



يستفاد من كلمات علمائنا اعلى الله درجاتهم أن تمثيل الواقعة سينمائيا لو لم يلزم منه محرم آخر كالهتك أو التوهين مثلا ، أو الكذب على المعصوم بنقل ما ليس صحيحا عنه فلا يحرم .

بل قد يكون من المهم في بعض الحالات ان يُصار إلى استخدام وسائل التأثير الإعلامي الحديثة لنقل القضية الحسينية بواسطتها كالمسرح والقصة والتصوير السينمائي(1) .



1 - تم اعداد فيلم سينمائي عن حياة الرسول وظهور الإسلام وانتصاره وهو ( الرسالة : محمد رسول الله ) وكان له من الأثر في تعرف غير المسلمين على الإسلام الشيء الكثير ، وأيضا تم تصوير فيلم آخر بعنوان الإمام علي عليه السلام ( في ايران ) وكان موفقا في عرض تلك الفترة من التاريخ الإسلامي وبعده حول حياة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ..



سؤال 20: عن وجود الإمام الباقر في كربلاء وبعدها ، وكيف يمكن تفسير قول الحسين عليه السلام لزينب عن السجاد احبسيه لئلا ينقطع نسل آل محمد . أفلا يعتبر الباقر من نسل الرسول؟



الجواب: لم يجد الباحثون هذه الكلمة في ما لديهم من المصادر ، حتى يتم التحقيق في صدورها من الناحية السندية والتاريخية ، ولكن على فرض صدورها ، فإن توجيهها واضح ، وهو أن المقصود ليس مطلق النسل النبوي ، وإلا فقد كان أحفاد الرسول من سبطه الحسن موجودين إذ أنه بناء على كون أبناء الإمام الحسن عليه السلام خمسة عشر فإن الذكور منهم كانوا ثمانية (1) ولم يشترك هؤلاء كلهم في كربلاء . وإنما المقصود منه النسل النبوي الفاعل الذي يمثل امتداد النبوة في العلم والتوجيه والارشاد للأمة فلو قتل الإمام السجاد عليه السلام حينئذ لما بقي ذلك النسل . وهذا غير حاصل بالنسبة لأبناء وأحفاد الإمام الحسن عليه السلام باعتبار أن الإمامة كانت في نسل الحسين عليه السلام ، وأبناء الحسن وإن كان بعضهم علماء أو مجاهدين إلا أن مقاييس الإمامة الالهية لا تنطبق عليهم ولم تكن فيهم . والامام الباقر عليه السلام كان حتى ذلك الوقت صغير السن جدا ، حيث أنه لم يكن له على ما قيل في أكثر الروايات التاريخية غير ثلاث سنين ، وهذه سن لم يكن ممكنا في الحالات الطبيعية أن يقوم صاحبها بالتصرف الخارجي المباشر مع الناس ، والارشاد والتوجيه ، والأخذ والعطاء لا سيما في تلك الظروف الصعبة التي أعقبت ثورة الإمام الحسين عليه السلام .



1- هذا على رواية وعلى الأخرى أن الذكور كانوا ثلاثة عشر .



سؤال 21: احداث المعركة أخذت زمنا طويلا .. فهل هي أكثر من يوم ؟




مع أنه قد احتمل بعض العلماء كما نقل عنهم الفاضل الدربندي(1) رحمه الله في كتابه أسرار الشهادة ، ذلك الأمر إلا أنه لا يمكن قبوله ، فقد اتفقت كلمة المؤرخين قاطبة ، والروايات الواردة من طريق أهل البيت عليهم السلام ، على أن المعركة بدأت بصباح اليوم العاشر من شهر المحرم لعام 61 هـ وانتهت قبل غروب ذلك اليوم ، بشهادة الإمام الحسين عليه السلام وقبله أصحابه وأهل بيته .

نعم ربما يتصور البعض ما ذكر من خلال حجم التفاصيل المذكورة في السيرة والكتب التأريخية ، فيتوهم أنها تحدث مترتبة ، بينما هي قد تحدث متزامنة وفي وقت واحد لكن الناقل لا يستطيع إلا أن ينقل القضية من جهات المختلفة ويفرد لكل خبر منها جهة مستقلة . لكن ذلك فمثلا قد يكون الحوار الذي يجري في داخل الخيمة بين الحسين وزينب مثلا ، قد حدث في نفس الوقت الذي يكون فيه حبيب يخطب في أنصاره ويشجعهم على القتال غدا وهو في نفس الوقت الذي يكون فيه بعض الهاشميين يتعبدون أو يقرؤون القرآن ، وهذه كلها في وقت واحد ، أو حينما يحمل عدد من الأنصار في الحملة الأولى ويقاتل كل منهم في جهة ، وينشد من شعر الحماسة ما هو أهله ، فإن المؤرخ أو الراوي لا يستطيع أن ينقل ذلك إلا بإفراد خبر لكل واحد منهم ، بينما قد تكون حملتهم في وقت واحد .

ولتقريب الأمر نضرب مثال الفيلم التلفزيوني فإنه قد يستطيع المخرج أن يختصر فيه عددا من المشاهد والأفكار من خلال الصورة ، فيستطيع بذلك أن ينقل أكثر من معنى في مشهد واحد بينما لو أراد أن يتحدث متكلم عن ذلك لاحتاج إلى صفحات متعددة .



1- المولى ، آقا بن عابدين بن رمضان بن زاهد الشيرواني الدربندي ، المعروف ب‍ " الفاضل الدربندي " ، الحائري . ت 1285 فقيه أصولي متكلم محقق مدقق ، جامع للمعقول والمنقول . كان من تلاميذ شريف العلماء المازندراني . له : " خزائن الاصول " ، و " خزائن الاحكام " شرح منظومة بحر العلوم ، و " قواميس القواعد " مشتمل على دراية الحديث والرجال وطبقات الرواة ، وغيرها . توفى في طهران سنة 1285 أو 1286 ، ونقل إلى كربلاء ودفن في الصحن الحسيني . وهو مع تبحره الكامل في الفقه والأصول والرجال إلا أن كتابه ( أسرار الشهادة ) والذي خصصه لما جرى في كربلاء ، يحتوي على غير قليل من الروايات غير الثابتة . واحتمل بعضهم أنه يرى تعميم قاعدة التسامح في أدلة السنن إلى الروايات التاريخية ، بأنه حتى لو جاء بها خبر غير مسند ، فإنه لا مانع من نقلها .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
23-01-2008, 12:56 AM
تابع

سؤال 22 : ما معنى كلمة الإمام الحسين عليه السلام بالنسبة إلى نسائه : شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا ؟ هل فيها دلالة على الجبر وأن هذا الأمر كان مكتوبا عليهن ؟



الجواب: في البداية نقول أن النص الوارد في اللهوف ليس فيه ( على أقتاب المطايا ) وإنما بهذا المقدار ( شاء الله أن يراهن سبايا ) . في حادثة ينقلها(1).

وهناك تعبيرات في القرآن عن المشيئة والإرادة الإلهية تنتهي إلى أن لله إرادتين ومشيئتين : تكوينية وهي لا تتخلف فإن شاء شيئا كان من غير معالجة ، وإذا أراده تحقق ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ولتقريب المعنى ـ مع ملاحظة الفارق نقول ـ إن الإنسان لو أراد أن يصور شيئا في ذهنه ، فلا يحتاج هذا التصوير إلا إلى لمحة التفاتة فيحضر المعنى المصور في ذهنه فورا ، فلو أراد أن يتصور بحرا أو شجرة أو غيرها ، فإنه لا يحتاج إلى معالجات وإعدادات وإنما يكفي أن يتصورها ويوجه ذهنه إليها في خلق الله للأشياء يكفي أن يريد ذلك ، لكي يتحقق الموجود ، ويصبح مخلوقا خارجيا ، وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المشيئة والارادة التكوينية فقال ( لو شاء ربك ما فعلوه ) ، ( ولو شاء لذهب بسمعهم ) ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ..) ..

وتشريعية : وهي أن تتعلق مشيئة الله بفعل العبد ، فهو لا يجبر العبد عليها وإنما يحثه عليها تارة ويزجره عنها أخرى بأوامره ونواهيه ، ولا يقسره على فعلها ولا يجبره على تركها ، وإنما يبين له بالرسل ، ويهديه بالعقول ، ويزوده بالارادة والاختيار لكي يختار و( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) : وهي التكاليف الشرعية ، وقد تحدث عنها القرآن الكريم أيضا بلسان الارادة الالهية فقال ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) و ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) و( ما يريد الله بكم العسر ولكن يريد ليطهركم ) .

وهذه الثانية تبقي للإنسان مجال الاختيار ، ولا يكون مسيرا فيها إلى جهة برغم إرادته ، وإنما يكون في كل حالاته مختارا يستطيع الاستمرار ويستطيع التراجع ، ومثل هذه الارادة قول الإمام الحسين عليه السلام ( شاء الله أن يراني قتيلا . وشاء الله أن يراهن سبايا ) .

كيف نعرف أن هذه إرادة تشريعية لا تكوينية ( أن يراهن ..) ؟

ـ لمخالفة ذلك لعقيدة الاختيار التي يدين بها الإسلام ويُعرف بها أهل البيت ، هذا مع أنها كان يمكن أن تتخلف بتغيير الحسين رأيه ، أو مسيره بينما التكوينية لا تتخلف . والشاهد عليه أن محمد بن الحنفية والذي يعرف عنه القول بالاختيار والارادة تبعا لما أخذه من أبيه أمير المؤمنين عليه السلام لم ينكر على الإمام مقالته .

هذا مع ملاحظة كلام أمير المؤمنين عليه السلام لما سأله أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ ( .. ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما . ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد . وإن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا . ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ، ولم يرسل الانبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا " ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) .

ومعنى الكلمة : أي شاء الله أن أخرج على القوم فيحاربونني فأكون قتيلا ، وشاء أن أصحب النساء لتكميل المسيرة فيكن سبايا بعد قتلي . ويقومون بدورهم في تكميل الثورة

وبالفعل فقد كان لذلك السبي أكبر الأثر في بقاء الثورة الحسينية ، وتعريف الناس لحقيقة الحكم الأموي ومخالفته لأحكام الدين ، مما أنتج الثورات المضادة له إلى أن سقط الحكم الجائر ذاك .



1 - اللهوف في قتلى الطفوف- قال السيد ابن طاووس الحسني ص 39 :

ورويت من كتاب أصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الثقة ، وعلى الاصل إن كان لمحمد بن داود القمى بالاسناد عن أبى عبد الله عليه السلام قال : سار محمد بن الحنفية الى الحسين في الليلة التى أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال يا أخي إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه . فقال . يا أخى قد خفت أن يغتالنى يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذى يستباح به حرمة هذا البيت فقال له : ابن الحنفية فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحى البر فإنك أمنع الناس به ولا يقدر عليك أحد فقال : أنظر فيما قلت . فلما كان السحر إرتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التى ركبها . فقال له : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال بلى ، قال : فما حداك على الخروج عاجلا فقال : أتانى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ما فارقتك ، فقال : يا حسين أخرج فإن الله قد شاء ان يراك قتيلا ، فقال له ابن الحنفية : إنّا لله وإنا إليه راجعون.. فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال ؟ فقال له : قد قال لي ( أي الرسول ) إن الله قد شاء أن يراهن سبايا وسلم عليه ومضى .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
25-01-2008, 01:57 AM
اللهم صل على محمد و آل محمد

تابع

سؤال 23 : * هل التقى الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري ؟



بعد رحلة متعبة ومجهدة إلى الكوفة ثم إلى الشام ، استمرت قرابة أربعين يوما ، عاد الركب الحسيني محملا بأثقال الألم ، إلى جانب أكاليل النصر و تحقيق هدف النهضة الحسينية ( وهل كانت ولادة الأهداف السامية من غير ألم ؟ ) ، واتجه إلى كربلاء ..حيث موطن الذكريات . وهناك التقى عند المصرع بجابر بن عبد الله الأنصاري فقد روى الشيخ عماد الدين محمد بن أبي القاسم محمد بن علي الطبري في كتابه بشارة المصطفى قصة الحادثة كما يلي :

أخبر الشيخ الامين ابوعبدالله محمد بن شهريار الخازن في مشهد مولانا أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام في شوال سنة اثنى عشرة وخمسمائة قال أملى علينا ابوعبدالله محمد بن محمد البرسي قال أخبرني ابوطاهر محمد بن الحسين القرشي المعدل قال حدثنا ابوعبدالله أحمد بن أحمد بن حمران الأسدي قال حدثنا ابوأحمد اسحق بن محمد بن علي المقري قال حدثنا عبدالله قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن الايادي قال حدثنا عمر بن مدرك قال حدثنا يحيى بن زياد الملكي قال أخبرنا جرير بن عبدالحميد عن الاعمش عن عطية العوفي قال : خرجت مع جابر بن عبدالله الانصاري زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب " ع " فلما وردنا كربلا دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم اتزر بأزار وارتدى بآخر ثم فتح صرة فيها سعد فنثرها على بدنه ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى حتى اذا دنا من القبر قال ألمسنيه فألمسته فخر عل القبر مغشيا عليه فرششت عليه شيئا من الماء فلما أفاق قال يا حسين ثلاثا ثم قال حبيب لا يجيب حبيبه ثم قال وانى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على أثباجك وفرق بين بدنك ورأسك فاشهد انك ابن خاتم النبيين وابن سيد المؤمنين وابن حليف التقوى وسليل الهدى وخامس أصحاب الكسا وابن سيد النقباء وابن فاطمة سيدة النساء وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين وربيت في حجر المتقين ورضعت من ثدي الإيمان وفطمت بالإسلام فطبت حيا وطبت ميتا غير ان قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ولا شاكة في الخيرة لك فعليك سلام الله ورضوانه وأشهد انك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا .

ثم جال بصره حول القبر وقال : السلام عليكم أيتها الارواح التي حلت بفناء الحسين وأناخت برحله وأشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين والذي بعث محمدا بالحق نبيا لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه .

قال عطية : فقلت له يا جابر كيف ولم نهبط واديا ولم نعل جبلا ولم نضرب بسيف والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم وأرملت أزواجهم فقال يا عطية سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول من أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم والذي بعث محمدا بالحق نبيا ان نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين " ع " وأصحابه . خذني نحو إلى أبيات كوفان فلما صرنا في بعض الطريق قال يا عطية هل اوصيك وما اظن انني بعد هذه السفرة ملاقيك أحبب محب آل محمد صلى الله عليه وآله ما أحبهم وابغض مبغض آل محمد ما أبغضهم وإن كان صواما قواما وارفق بمحب محمد وآل محمد فانه إن تزل له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له اخرى بمحبتهم فان محبهم يعود إلى الجنة ومبغضهم يعود إلى النار(1).

وقد شكك الشهيد الشيخ المطهري رحمه الله في الملحمة الحسينية بأمر لقاء الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري ، وذكرها تحت عنوان التحريفات اللفظية : قصة زيارة الأسراء لقبر الحسين في كربلاء وملاقاة السجاد لجابر وذلك بعد أن وصل الأسرى إلى مفترق طريق بين المدينة والعراق والاستعانة بالنعمان بن بشير لمعرفة طريق كربلاء في حين أن حقيقة الزيارة المعروفة هي زيارة جابر وعطية العوفي لقبر الحسين لا غير . ( هذا على فرض كون كل ما جاء في الطبعة العربية المترجمة صحيح النسبة إلى الشهيد المطهري وهو ما لم يقبله المحقق السيد جعفر العاملي في كتابه الجديد كربلاء فوق الشبهات ) .

ولم يذكر الشهيد المطهري رحمه الله ـ وهو المحقق المتتبع ـ ما يدل على كون الواقعة غير حقيقية ، أو جهة كونها من التحريفات اللفظية ! ولعل حرصه على أن تكون الأمور محققة وحماسه ضد المبالغات غير المقبولة في السيرة الحسينية كما يلحظ ذلك قارئ الملحمة أدى به لذلك .

فمع أننا لا نجد تأريخا صريحا للواقعة في المصادر التاريخية القديمة ـ في الباقي منها ـ كما هو الحال في الباقي من مقتل أبي مخنف الأزدي ، والذي نقل منه الطبري كثيرا ، ولم ينقله بكامله ، وإنما نقل ما يرتبط بالقضية التأريخية التي تنفعه في كتابه .. و لا يضر عدم ذكره الواقعة فإنه لم يذكر أصل زيارة جابر الانصاري ، كما لا يضر عدم ذكرها في المصادر التاريخية القديمة . فإن أول من ذكر الزيارة هو صاحب بشارة المصطفى المتوفى بعد سنة 553 هـ فإنه قد التزم الشيخ الطبري بأنني ( سميته بكتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى صلوات الله عليهم ولا أذكر فيه إلا المُسنَد من الأخبار عن المشايخ الكبار والثقاة الأخيار ..) والشيخ الطبري وهو من تلاميذ ابن شيخ الطائفة الطوسى أعلى الله مقامهم في تلك الطبقة يمكن أن تقبل شهادته في التوثيق وأنها عن حس لا عن حدس واجتهاد . ومع هذا يمكن الاطمئنان إلى وثاقة من هم في سند هذه الرواية التي نقلها في كتابه . . فإنهم يتحدثون في علم الرجال في باب التوثيقات العامة عن كتاب بشارة المصطفى كواحد من الكتب التي تفيد وثاقة من ورد في اسانيد رواياته ـ إما كل من ورد في سلسلة السند كما لعله الأظهر باعتبار أن صاحب الكتاب وهو الضليع في هذا الفن يريد أن يصحح رواياته وهذا لا يتم إلا بالحكم بوثاقة من هم في السند جميعا وإما خصوص مشايخه على الخلاف المبحوث في بابه ـ .

كما ذكر الشيخ الجليل نجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر ابي البقاء هبة الله بن نما الحلي ( وهو الشيخ الفقيه الذي كان من الفضلاء والأجلة وكبراء الدين والملة ، عظيم الشأن جليل القدر ، وأحد مشايخ آية الله العلامة ... كما ذكر المحدث القمي في الكنى والالقاب وغيره في غيره ) و المتوفى سنة 645 هـ في كتابه ( مثير الاحزان ص 76 طبع المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف بنحو الاختصار موضوع اللقاء بين جابر وبين ركب السبايا فقال ولما مر عيال الحسين بكربلا وجدوا جابر بن عبدالله الانصارى رحمة الله عليه وجماعة من بنى هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والاكتياب والنوح على هذا المصاب المقرح لاكباد الاحباب،..وقد طبع هذا الكلام في حاشية مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي ص 220 .

وقد ذكر الموضوع أيضا السيد علي بن طاووس الحلي المتوفى سنة 664 هـ في كتابه اللهوف في صفحة 196 فقال : ولما رجع نساء الحسين وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء ووصلوا إلى المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله وجماعة من بني هاشم قد وردوا لزيارة قبر الحسين فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم .

ونحن لا نرى وجود مانع يمنع من الالتزام بالرواية المذكورة ، فمن الناحية التاريخية كان دخول السبايا إلى الشام في أول يوم من صفر كما رواه الكفعمي والبهائي والمحدث الكاشاني وكان بقاؤهم في الشام خمسة أو سبعة أيام ، ثم عودتهم إلى كربلاء ـ مع ملاحظة أن ذهابهم كان أكثر من ذلك لتوقفهم في الكوفة ، ولأنهم كانوا يريدون التفرج عليهم في رحلة الذهاب بخلاف ذلك في رحلة العودة ، وعلى أي حال فإن خمسة عشر يوما أو ثلاثة عشر يوما كافية للوصول إلى كربلاء في رحلة العودة .

هذا ولكن عثرفيما بعد على كلام لشيخ الطائفة الطوسي رحمه الله يشير فيه إلى يوم الأربعين باعتباره اليوم الذي عاد فيه حرم الحسين عليه السلام إلى كربلاء وهو نفسه اليوم الذي زار فيه جابر بن عبد الله قبر الحسين ، فأحببت إضافته إلى هذه الصفحات .

وربما يتوهم أنه اليوم ( كتاريخ ومناسبة ) لا اليوم الشخصي لكنه بعيد جدا من سياق الخبر كما ستلاحظ : قال الشيخ في مصباح المتهجد : ( وفي اليوم العشرين منه كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام من الشام إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورضي عنه من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام فكان أول من زاره من الناس ويستحب زيارته عليه السلام فيه وهي زيارة الأربعين ..)(2).



1 - بشارة المصطفى ص 75

2 - نقله في الوسائل - ج 14 ص 479 ، وقال أنه قد روى المفيد ذلك أيضا مرسلا ، في ( مسارّ الشيعة ) .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
25-01-2008, 07:43 PM
تابع

سؤال 24 : هل كانت أم البنين موجودة بعد كربلاء ؟




جرت عادة الخطباء على ذكر أم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية ، واستقبالها بشر بن حذلم ، ثم استقبالها للركب الحسيني ، والنساء ، وهكذا خروجها لندبة أبنائها ، ولكن استبعد المحقق المقرم في كتابه القيم ( مقتل الحسين ) بقاء أم البنين وأنها كانت موجودة إلى يوم الطف ..

ونحن لا نرى استبعاد العلامة المحقق السيد المقرم رحمه الله في محله . فإنه بعد أن قال : لم اعثر على نص يوثق به يدل صراحة على حياة أم البنين يوم الطف ، ثم بدأ بمناقشة رواية أبي الفرج الاصفهاني عن محمد بن علي بن حمزة عن النوفلي عن حماد بن عيسى عن معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام أن أم البنين كانت تخرج إلى البقيع تندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها فيجتمع الناس اليها ليسمعوا منها وكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك فلا يزال يسمع ندبتها .. ثم شرع في مناقشة رواة السند ، قائلا بأن رجال اسناده لا يعبأ بهم ، فإن النوفلي وهو ، حكي عن أحمد أن عنده مناكير ، وعند أبي زرعة ضعيف الحديث ، وعامة ما يرويه غير محفوظ ، وقال أبو حاتم منكر الحديث جدا ، وقال النسائي متروك الحديث . ومعاوية بن عمار بن ابي معاويه قال أبو حاتم لا يحتج بحديثه ، وإن أريد غير هذا فمجهول .. ثم عرج على المتن ، وانتهى إلى أن نسبة أبي الفرج خروج ام البنين إلى البقيع هي فرية واضحة إذ لا شاهد عليها وغايته التعريف بأن مروان بن الحكم رقيق القلب .. ثم عطف المحقق المقرم على ذلك أن أبا الفرج ناقض نفسه بأن قال في موضع آخر أن العباس كان آخر من قتل من إخوته فحاز مواريثهم وورث العباسَ ابنُه .. عبيد الله ، وهذا يفيدنا وثوقا بوفاة أم البنين يوم الطف فإنها لو كانت موجودة لكان ميراث العباس مختصا بها لكونها أمهم ولا يرثهم العباس لأنه أخوهم . ذكر ذلك في سفره القيم ( مقتل الحسين ) .

ولنا مع العلامة المحقق المقرم رضوان الله عليه وقفتان :

الأولى : نقاشه في رجال السند :

فأول ما هو مذكور في رواية أبي الفرج ( علي بن محمد بن حمزة ) وهذا الشخص لا ذكر له في كتب الرجال أصلا ، ويظهر أن في اسمه تقديما وتأخيرا والصحيح هو ( محمد بن علي بن حمزة المعروف بالعلوي ) وهو بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام والذي نقل عنه أبو الفرج كثرا واعتمد عليه فقد ورد ذكره في أكثر من عشرين موضعا من كتاب المقاتل ، وروى عنه النوفلي علي بن محمد أيضا في المقاتل ، وهذا الرجل يظهر أنه كان محيطا بأخبار حركات أبناء الائمة ، وتاريخ نهضاتهم ضد الحاكمين فكان المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه أبو الفرج في كتابه ، وهو كما يقول النجاشي ( ثقة عين في الحديث صحيح الاعتقاد له رواية عن ابي الحسن وأبي محمد عليهما السلام ، وله مكاتبة وفي داره حصلت أم صاحب الأمر بعد وفاة الحسن عليه السلام ) . ويذكر آية الله الخوئي في معجمه أن له كتاب بإسم مقاتل الطالبيين .

وأما النوفلي فإنه لقب رجال كثيرين منهم الحسن بن محمد بن سهل ، وعبد الله بن الفضل بن عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وهو من اصحاب الصادق وثقة ، والحسين بن يزيد بن محمد بن عبد الملك النوفلي ، وهو من أصحاب الرضا ، وعلي بن محمد بن سليمان النوفلي وهو من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكري .

والمكثر للروايات في الفقه هو الحسين بن يزيد الذي يروي عن السكوني عادة ، وله في ابواب الفقه لا سيما في المعاملات روايات كثيرة .

ولكن الذي يروي عنه أبو الفرج في المقاتل ليس هذا ،وليس كما ذكر السيد المقرم أنه يزيد بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ..وإنما هو علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، ومع التتبع لكتاب المقاتل يظهر أنه يعتمد عليه اعتمادا كبيرا فيما ينقل من أمور ترتبط بأبناء علي عليه السلام في أكثر من 23 موضعا ، وهذا بدوره ينقل عن أبيه كثيرا ، فترى صاحب المقاتل ينقل عنه في قضية يجيى بن زيد ويعتمد على روايته بشكل أساسي في نقل أحداث حركة عيسى بن زيد ، وفي ثورة ابراهيم بن عبد الله بن الحسن . وهذا النوفلي قد يذكر في الرجال تارة بعنوان علي بن محمد وأخرى علي بن محمد بن سليمان ، ومع أن له رواية عن الإمام الجواد عليه السلام ، ومكاتبة للإمام العسكري عليه السلام ، وقد ذكره الصدوق في مشيخته ، وطريقه إليه صحيح ..

إلا أنه لا توثيق له بخصوصه وإن كان اماميا ، لكن يمكن استفادة ذلك من التوثيق العام بالنسبة لمن لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة ، بناء على أن عدم الاستثناء لهم لا يختص بتصحيح الروايات في الكتاب المذكور وإنما هو اضافة إلى ذلك توثيق للرواة . كما هو مسلك كثيرين .. فإنه قد ذكر علي بن محمد النوفلي في من لم يستثن من رواة كتاب النوادر .

والنوفلي روى في أصول العقائد كما هو في الكافي في أكثر من موضع ، وفي الفروع أيضا ، لكن يبدو أنه كان متخصصا أكثر في حقل التاريخ وضبط أحداث معارضة أهل البيت وأبنائهم للحاكمين ، ولذلك اعتمده أبو الفرج في مقاتله ، وروى عنه الطبري أيضا أحداث الثورات التي تقدم ذكرها .

وأما حماد بن عيسى الجهني من أصحاب الصادق و الكاظم عليهما السلام كان ثقة في حديثه صدوقا ، وممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم وأقروا لهم بالفقه .

وأما معاوية بن عمار بن أبي معاوية فهو العجلي الدهني ، من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، وقد نص على توثيقه وجلالة شأنه من تعرض لذكره في الرجال ، فقد قال النجاشي : كان وجها من أصحابنا متقدما كبير الشأن عظيم المحل ثقة ، وكان أبوه عمار ثقة في العامة وجها ، روى معاوية عن ابي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ومات في سنة خمس وسبعين ومائة . ومثله ذكر في الخلاصة .

ولذا فمن العجيب أن ينقل العلامة المقرم قول أبي حاتم فيه : أن معاوية بن عمار بن أبي معاوية لا يحتج بحديثه ، وإن أريد غير هذا فمجهول . إذ تضعيفه عندهم كما هو جار في غيره ، إنما هو على أساس مذهبه وتشيعه ، فإنهم يسارعون إلى الطعن فيمن عرف عنه تشيعه لعلي عليه السلام ويكفي عندهم لعدم الاحتجاج بحديثه كونه رافضيا ـ كما يقولون ـ فكيف إذا كان وجها عندنا وعظيم الشأن ؟؟ ولم يكن منتظرا من المحقق المقرم الذي له الباع الطويل في هذا المجال أن يعتمد على تضعيف الرجاليين المخالفين لرواة أهل البيت ، خصوصا أنه ذكر في المقتل بعض النماذج على التضعيف لأجل المذهب ، وفي كتابه ( العباس ) قال في ذيل الحديث عن الأصبغ بن نباتة عندما نقل صاحب اللئالي المصنوعة فيه أنه متروك لا يساوي فلسا قال المقرم : ولقد طعنوا في أمثاله من خواص الشيعة بكل ما يتسنى لهم ، ويشهد لهذه الدعوى مراجعة ما كتبه السيد العلامة محمد بن أبي عقيل ( العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ) فإنه ذكر جملة من أتباع أهل البيت طعنوا فيهم بلا سبب إلا موالاة أمير المؤمنين وولده عليهم السلام .

وأما كلامه في المتن :

أما قوله أن خروج أم البنين فرية واضحة غايتها التعريف بأن مروان بن الحكم رقيق القلب فاستدرار الدمعة إنما يتسبب من انفعال النفس ..الخ ، فإنه يمكن على فرض صحة الخبر أن يكون ذلك من اظهار البكاء ، واصطناع حالة البكاء الكاذب ، وليس هذا بعيدا من شخصية مروان المنافقة ، حيث أنه قد يعمل الشيء وضده ، والأمر وخلافه إذا رأى في ذلك مصلحة دنيوية عاجلة ..فهو على عدائه المعروف لأهل البيت لا يعدم وسيلة لكي يحوز بها على بغلة للحسن المجتبى عليه السلام فيدفع أحدهم لمدح الإمام مدحا عظيما ..الى آخر ما ذكروه في أحواله .فمثل هذا الأمر ـ حضوره في الجبانة ـ وإظهار شخصه أمام السذج بمظهر المتعاطف ليس شيئا مستنكرا . فكم وجدنا من السياسيين ، والزعماء الدنيويين من يقتل القتيل ويمشي في جنازته باكيا !!

ثم إنه بمراجعة كتابه الآخر ( العباس ) يتبين أن السيد المقرم رحمه الله يخالف نظريته في كتاب مقتل الحسين في أكثر من موضع ويبني على أساس أن أم البنين كانت موجودة إلى ما بعد زمان واقعة كربلاء ، فقد ذكر في صفحة ( 133 ) أن السيدة زينب قد زارت أم البنين بعد وصولهم إلى المدينة تعزيها بأولادها كما كانت تزورها ايام العيد . وتعزية زينب عليها السلام وزيارتها لأم البنين بعد وصولهم إلى المدينة يشير بوضوح إلى حياتها إلى ذلك الوقت . بل أن ما نفاه هناك ، أثبته هنا في مواضع متعددة منها في صفحة 398 حيث قال : وأول من رثاه _ العباس ـ أمه أم البنين كما في مقاتل الطالبيين فإنها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها اشجى ندبة وأحرقها فيجتمع الناس لسماع ندبتها … ويستدل على خطأ ما نقله أبو الفرج والطبري من أنه أبا الفضل قدم إخوته ليقتلوا أمامه لكي يرثهم (!!) يقول في صفحة 203 : وما أدري كيف خفي عليهما ـ أي المؤرخين المذكورين ـ ( عدم إمكان ) حيازة العباس ميراث إخوته مع وجود أمهم أم البنين وهي من الطبقة المتقدمة على الأخ ، ولم يجهل العباس شريعة تربى في خلالها ..

كما يقول مثبتا وجود أم البنين حتى يوم الطف ، في صفحة 206 : وهناك مانع آخر من ميراث العباس لهم وحده حتى لو قلنا على بعد ومنع بوفاة أم البنين يوم الطف لوجود الأطرف وعبيد الله بن النهشلية ..كما يشاركهم سيد شباب الجنة وزينب وأم كلثوم وغيرهن من بنات أمير المؤمنين …هذا إن قلنا بوفاة أم البنين يوم الطف ، ولكن التاريح يثبت حياته يومئذ وأنها بقيت بالمدينة وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة ..

ولا نعلم عن تأريخ الكتابين وأيهما المتقدم ليكون المتأخر هو الناسخ ، والرأي الأخير للمؤلف ، فإن كان العباس هو الكتاب الأخير يكون ما ورد فيه عدولا عن ما ورد في كتاب مقتل الحسين ، وإن كان العكس فيلزم أن يشير إلى ما سبق أن شيده وأكده في كتاب العباس ؟

وعلى كل حال فإن ما بذله المحقق المقرم رضوان الله عليه من جهد ـ في كتاب مقتل الحسين ـ في نفي حياتها أخيرا مع أنه كان في بداية حديثه مقتصرا على عدم العثور على نص يوثق حياتها ، لا يمكن المساعدة عليه أو قبوله . ونفس الكلام الذي قاله بعدم وجود نص يوثق حياتها يعود في عدم وجود نص يوثق وفاتها ، مع أن بقاءها إلى ما بعد مقتل الحسين عليه السلام أمر طبيعي ، وهو مقتضى الأصل .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
25-01-2008, 07:45 PM
تابع

سؤال 25 : كيف يمكن تقييم حركة المختار الثقفي وشخصيته ؟ فإننا نلاحظ في الروايات مدحا له وذما ؟



تعرض المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه الله إلى حملة تشويه لحركته ولشخصيته على السواء من قبل فئتين في التاريخ الإسلامي : الأمويين الذين حاربهم في البداية واستأصل شوكتهم ، وانتقم لآل محمد منهم ، وسيأتي في الملحقات ذكر بعض من أقام عليهم جزاء جناياتهم من قادة الأمويين وأتباعهم الذين كان لهم دور سيء في كربلاء . ومن الزبيريين الذين حاربهم وهزمهم في البداية ومع أنهم قد انتصروا عليه في نهاية الأمر لفترة قصيرة لكي ينهزموا بعدها أمام الأمويين ، إلا أن المختار كان قد عبأ الجو الكوفي الذي كانوا يحاولون استمالته إلى جانبهم ، عبأه ضدهم فلم ينتفعوا به إلى الأخير . فكان أن شنوا عليه الحرب الاعلامية ـ أثناء المعركة ـ وبعدها .. وإذا علمنا أن من الزبيريين من كان شغله التأريخ وذكر الانساب ، فغذوا المصادر التاريخية بعدهم بالمعلومات المشوهة لحركة المختار وشخصيته بما يصل في بعضها إلى التناقض أوالتضاد ولكن ذلك لا يهم إذا كان الغرض عندهم يتحقق .

وربما وصلت تأثيرات تلك الحرب الاعلامية إلى الوسط الذي كان يؤيد حركة المختار مما يشير إليه النهي الصادر عن الإمام بأن لا يسبوا المختار ولا يتكلموا ضده .

فعن أبي جعفر الباقر عليه السلام : لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا وزوج أراملنا وقسم فينا المال على العسرة وقد رواه الكشي بسنده عن حمدويه عن يعقوب عن ابن ابي عمير وهم ثقات عن هشام بن المثنى وهو وإن لم يوثق توثيقا خاصا إلا أنه ممن روى عنه المشايخ الثقات عن سدير والد حنان وهو ممدوح وممن روى عنه المشايخ الثقات ، وقد استحسن هذا الطريق في الخلاصة وكذا السيد بن طاووس .

وعن الصادق عليه السلام بسند حسن : ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين عليه السلام رواه الكشي عن ابراهيم بن محمد بن العباس الختلي ( وهو ممدوح ) عن أحمد ابن ادريس عن محمد ابن احمد عن الحسن بن علي ( بن عبد الله بن المغيرة ) عن العباس بن عامر عن سيف بن عميرة عن جارود بن المنذر ( هؤلاء تقات اماميون ) .


والغريب أن هذه الحملة المضادة للمختار اشترك فيها ( المتخاصمان ) من الأمويين الذين انتقم منهم ومن أنصارهم ، ومن الزبيريين الذين ثار على واليهم في الكوفة وهم الذين تحالفوا فيما بعد مع من استطاع الهرب من قتلة الحسين عليه السلام .. وعملوا على تلك الحملة بشكل دقيق ومستمر مما جعل أثرها يبقى إلى الآن في كتب التاريخ والأدب . فتارة يصورونه بأنه ادعى النبوة وأن الوحي ينزل عليه وأخرى يتهمونه بأنه من الكيسانية أتباع محمد بن الحنفية ، ولا أدري ( ولا المنجم يدري ) كيف يجتمع ادعاء النبوة مع اتّباع محمد بن الحنفية ؟ والمشكلة التي ساعدت على انتشار مثل هذه التهم أن الظرف الذي كان يمر به الإمام زين العابدين لم يكن ليسمح له باظهار علاقة المختار به ..


وربما يلاحظ أن في كتب الرجال روايات يستفاد منها ذم المختار بن ابي عبيدة وهذه إما أن تكون غير نقية السند ، وإما أنه يمكن توجيهها ببعض الجهات ، فإن من أفضل أصحاب الإمامين الباقر والصادق وهو زرارة لو لم يكن أفضلهم ، ومع ذلك قد وردت روايات ـ وبعضها تام السند ـ فيها ذم ظاهري له ، وذلك للحفاظ عليه مثلما خرق الخضر السفينة لكي تنجو من الملك الغاصب . فمنها ما رواه جبرئيل بن احمد عن العنبري عن محمد بن عمرو عن يونس بن يعقوب عن أبي جعفر عليه السلام : كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين وبعث إليه بهدايا من العراق فلما وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليه رسوله فقال : أميطوا عن بابي فإني لا أقبل هدايا الكذابين ولا أقرأ كتبهم .

وفيه أن جبرئيل بن أحمد وهو الفاريابي لم يوثق ، والعنبري لا ذكر له في الرجال ويحتمل أن يكون العبيدي محمد بن عيسى وهو ثقة ، والمشكلة أيضا في رواية يونس بن يعقوب وهو من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وتوفي في زمن الإمام الرضا ولم يرو عن الباقر عليه السلام أصلا ، وإنما رواياته عن الباقر إما بالواسطة كما يلحظ المتتبع في الكافي والتهذيب أو مرفوعة عن الإمام الباقر كما في أصول الكافي ، ولم ترد ولا رواية واحدة عنه عن الإمام الباقر ، وأن يكون ( أبو جعفر ) في الرواية مقصودا به الجواد غير محتمل لوفاة يونس في زمن الرضا . فهذه الرواية مرفوعة للإمام الباقر ولا يمكن الاعتماد عليها .

وهناك روايات أخرى حتى لو سلمت من المناقشة السندية ، فإنه يمكن توجيهها بالتقية حيث أن سلطنة المختار لم تكن شاملة ، وكان الإمام السجاد عليه السلام يعلم ـ حتى بالمقاييس الطبيعية للحكم على الاشياء ـ فضلا عن علم الإمامة أن أمر المختار لا يتم ، فلم يكن من الصالح إظهار التأييد العلني له ، أو بيان علاقته به .

كما يمكن الجمع بين الروايات التي تشير إلى رفض الإمام استقباله وبين الروايات المادحة له بما ذكره ابن نما ، من أن أنصار المختار جاؤوا لمحمد بن الحنفية طالبين منه النصر والتأييد ، فجاء بهم إلى الإمام زين العابدين وعرض عليه أمرهم ، فقال عليه السلام : يا عم لو أن عبدا اسود تعصب لنا اهل البيت لوجب على الناس مؤازرته وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت .. وقد لا يحتمل وضع الكتاب هذا مزيدا من التحقيق في الروايات ، فيمكن لمن أراد المزيد من التفصيل مراجعة تنقيح المقال للعلامة المامقاني ، وتنزيه المختار للمحقق السيد المقرم وهو مطبوع في آخر كتابه زيد الشهيد .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
25-01-2008, 07:54 PM
تابع

سؤال 26 : ما مصير مجرمي كربلاء ؟

( وكان عاقبة أمرها خسرا )(1) .

يحرص القرآن الكريم في إيراده لقصص الأقوام على التركيز على عواقب الأمور ، فيؤكد دائما أن ( تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) (2)، ولكي لا يعمي الواقع الراهن أبصار الناس بزخارف أصحاب المال ومظاهر قوة ذوي السلطان ، فإنه يأمر الناس بأن يسيروا في الأرض فينظروا لا إلى الآثار وإنما إلى العاقبة والنهايات ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين )(3) .

ذلك أن المشكلة التي تعترض الكثير من الناس هو أنهم يريدون أن يروا النتائج عاجلة ، فييأسوا مع تأخرها من نصر الله ، بينما ينصحهم القرآن بأن ينظروا إلى سنن الله في الذين خلوا من قبل ، وهذه السنة لن تخطئ من يعاصرونهم من الظالمين والمجرمين .

وفي قضية كربلاء شاهد صدق على سنة الله في الظالمين , وبرهان حق على أن ( العاقبة للتقوى ) . انظر إلى تأريخ القتلة والمشاركين في الظلم ، لم يمر عقد من الزمان إلا وقد تنشبت بهم أنياب أعمالهم فأصبحوا في وهق خطاياهم السابقة . وهلكوا غير مأسوف عليهم من أحد .

وهذه النتائج لأولئك الأشخاص الذين قاموا بالجرائم حرصا على دنياهم ورغبة في بقائهم ، فلا متع الدنيا حصلوا عليها ولا البقاء أتيح لهم ، فكما قلنا ما مر عقد من الزمان إلا وقد ابتلعت الأرض أجسادهم ، وفرقت عن الأجسام رؤسهم . بل ربما لو لم يرتكبوا تلك الجرائم لحصلوا على متع من الدنيا كثيرة ، ولعمروا أكثر مما صاروا إليه .

* يزيد بن معاوية بن أبي سفيان : المسؤول الأول عن قتل الامام الحسين عليه السلام ..عجيب أن كتب التأريخ قد أغفلت كيفية هلاكه ، وكأن ذلك كان عقاب التأريخ لمن قام بما قام به من أجل أن يبقى فإذا به في بدايات عمره من حيث السن ( 38 سنة ) يهلك بنحو يختلف فيه حتى عاد أمر هلاكه مجهولا . فقد نقل في ترجمة اللهوف ( إلى اللغة الفارسية ) ما حاصله : أنه قد خرج للصيد فاعترضه غزال وظل يطارده إلى أن انفرد عن عسكره وحرسه ، ووصل إلى خباء واستسقى صاحبه ماء فسقاه وعرفه على اسمه ، فلما عرفه قام إليه الأعرابي ليقتله انتقاما للحسين عليه السلام ، فهرب يزيد وتعلق في هذه الأثناء بالركاب ولم يستطع الاستواء على فرسه فظل هذا الفرس وهو مسرع يضرب به كل حجر ومدر حتى هلك .(4) ومر غيره على مصرعه لاعنا إياه ، فـأكثر من تعرض لحديث رسول الله القائل بأن من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله ( البعض قال : إنه في الدنيا ، وقال آخرون إنه إذابته في النار ، وجمع قسم ثالث بين الأمرين ) ذكره في هذا الموضع مع مسلم بن عقبة المري .. هل مجهولية مصرعه جزء من الإذابة؟ فقد ذكر في فيض القدير بعد أن تعرض لشرح الحديث قال : قال القاضي عياض : وهذا حكمه في الآخرة بدليل رواية مسلم أذابه الله في النار أو يكون ذلك لمن أرادهم بسوء في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانا بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربهم أيام بني أمية كعقبة بن مسلم فإنه هلك في منصرفه عنها ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك(5).

وقال الطبري : هلك يزيد بن معاوية وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشام لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة 64 وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم .(6) وبهلاكه انتهى الحكم من الفرع الأموي السفياني ، حيث لم يبق ابنه معاوية في الحكم غير شهرين !!

*عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالاشدق : والي المدينة ـ الذي عينه يزيد بعد الوليد بن عتبة ـ والذي مال شدقه لكثرة سبه أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى إذا جاءه خبر قتل الحسين عليه السلام ونودي بقتله ، لم يُسمع بواعية كواعية بني هاشم ، هنااستخفه الطرب ، وأمالته الشماتة.. وتمثل بقول القائل :

عجت نساء بني زياد عجة كعجيج نسوتنا غداة الارنب ..

لم يمر عليه إلا تسع سنوات حتى كان رأسه معزولا عن بدنه . وعاقبته هي ما يذكرها المؤرخون ، فإن عبد الملك لما أحكم أمر الشام ، ووجه روح بن زنباع الجذامي فلسطين شخص عن دمشق ، حتى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زفر بن الحارث ، وأمر ابن الزبير على حاله ، فلما صار إلى بطنان من أرض قنسرين أتاه الخبر بأن عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق ، ودعا إلى نفسه ، وتسمى بالخلافة ، وأخرج عبد الرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبد الملك بدمشق وحوى الخزائن وبيوت الاموال ، فعلم عبد الملك أنه قد أخطأ في خروجه عن دمشق ، فانكفأ راجعا إلى دمشق ، فتحصن عمرو بن سعيد ، ونصب له الحرب ، وجرت بينهم السفراء ، حتى اصطلحا وتعاقدا ، وكتبا بينهما كتابا بالعهود والمواثيق والإيمان على أن لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبد الملك ، ودخل عبد الملك دمشق وانحاز مع عمرو بن سعيد أصحابه ، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبد الملك .

ثم دبر عبد الملك على قتل عمرو ، ورأى ان الملك لا يصلح له إلا بذلك ، فدخل إليه عمرو عشية ، وقد أعد له جماعة من أهله ومواليه ومن كان عنده ممن سواهم ، فلما استوى لعمرو مجلسه قال له : يا أبا أمية ! إني كنت حلفت في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان ، أني متى ظفرت بك وضعت في عنقك جامعة ، وجمعت يديك إليها . فقال : يا أمير المؤمنين ! نشدتك بالله أن تذكر شيئا قد مضى . فتكلم من بحضرته ، فقالوا : وما عليك أن تبر قسم أمير المؤمنين ؟

فأخرج عبد الملك جامعة من فضة ، فوضعها في عنقه ، وجعل يقول :

أدنيته مني ليسكن روعه * فأصول صولة حازم مستمكن

وجمع يديه إلى عنقه ، فلما شد المسار جذبه إليه ، فسقط لوجهه ، فانكسرت ثنيتاه ، فقال : نشدتك الله ، يا أمير المؤمنين ، أن يدعوك عظم مني كسرته إلى أن تركب مني أكثر من ذلك ، أو تخرجني إلى الناس فيروني على هذه الصورة ! وإنما أراد أن يستفزه فيخرجه ، وكان على الباب من شيعة عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفا منهم عنبسة بن سعيد ، فقال له : أمكرا أبا أمية ، وأنت في الانشوطة ؟ وليس بأول مكر ، إني والله لو علمت أن الامر يستقيم ، ونحن جميعا باقيان ، لافتديتك بدم النواظر ، ولكني أعلم أنه ما اجتمع فحلان في إبل إلا غلب أحدهما . وقتله وفرق جمعه ، وطرح رأسه إلى أصحابه ، ونفى أخاه عنبسة إلى العراق ، وكان ذلك سنة 70 هـ ..

* عبيد الله بن زياد : قال ابراهيم الاشتر القائد العسكري لجيش المختار الثقفي بعد انتهاء المعركة بينهم وبين جيش ابن زياد في سنة 67 هـ : قتلت رجلا شرقت يداه وغربت رجلاه تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازر فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلا ، ضربه فقده نصفين .

قتلة الحسين عليه السلام واصحابه وهم ممن شارك في المعركة مباشرة(7) :

1- عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي(8) : وقد قتل القاسم بن الحسن عليهما السلام فلم يبرح الموقعة ، إذ أن الحسين جلى كالصقر لاستنقاذ القاسم ابن أخيه ، بينما راحت خيل بني أمية لاستنقاذ عمرو هذا ، فاستقبلته بصدورها ووقع تحت حوافرها وهلك في مكانه.

2- عمرو بن الحجاج الزبيدي : وهو الذي كان على شريعة الفرات في أربعة آلاف فارس لمنع أصحاب الحسين من الوصول إليها والشرب منها . هرب في أثناء القتال من جيش المختار الثقفي فركب راحلته ثم ذهب عليها فأخذ في طريق شراف وواقصة فلم ير حتى الساعة كما يقول الطبري في حوادث سنة 66 ، فلا يدرى أرض بخسته أم سماء حصبته !!

3- شمر بن ذي الجوشن :هرب من الكوفة حتى إذا وصل قرية تسمى الكلتانية فوجد علجا هناك فضربه وقال : النجاء بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة ، ورأى علجا آخر فأخذ يشكو إليه ما لقي من شمر وسمعه رجل من أصحاب أبي عمرة ورأى كتابه فسأل عن مكانه فدل عليه وذهبوا إليه فقتلوه .

4- عبد الله بن أسيد بن النزال الجهني

5- مالك بن النسير البدي

6- حمل بن مالك المحاربي : هربوا إلى القادسية فأرسل المختار خلفه ، وجيء بهم إليه فقال : يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله أين الحسين بن علي ؟ أدوا إلي الحسين قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة ، قالوا : بعثنا ونحن كارهون فامنن علينا واستبقنا ، فقال : فهلا مننتم على الحسين واستبقيتموه وسقيتموه .. فسأل البدي : انت صاحب برنسه ؟ قيل له نعم : فقال : اقطعوا يدي هذا ورجليه ودعوه فليضطرب حتى يموت ففعل به ذلك وترك .وقدم الآخران فقتلا .



يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
25-01-2008, 07:56 PM
تابع

7- زياد بن مالك

8- عمران بن خالد

9- عبد الله بن قيس الخولاني

10- عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي

أدخلوا على المختار فقال يا قتلة الصالحين لقد أقاد الله منكم ! لقد جاءكم الورس(9) بيوم نحس . وكانوا قد أصابوامن الورس الذي كان مع الحسين فقدموا في السوق فضربت أعناقهم .

11- عثمان بن خالد الدهماني

12- بشر بن سوط القابضي وكانا قد اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه ، فقدما في موضع بئر الجعد فقتلا وأحرقا .

13- خولى بن يزيد الأصبحي بعث خلفه معاذ بن هانئ بن عدي ( ابن أخي حجر ) فجاؤوا بيته ، وسألوا امرأته فقالت لا أدري ـ وأشارت بيدها إلى موضعه ـ فوجدوه قد وضع قوصرة على رأسه .. فجاؤوا به إلى المختار وأحرق بالنار .

14- عمر بن سعد : وكان قد أخذ الأمان من المختار وأعطاه ذلك ( ..إلا أن يحدث حدثا ) فكان أبو جعفر يقول : أما أمان المختار لعمر بن سعد ألا يحدث حدثا فإنه كان يريد به إذا دخل بيت الخلاء فأحدث . فأمر أبا عمرة فقتله ثم قتل أبنه حفص .

15- حكيم بن الطفيل السنبسي وهو من قطع يد ابي الفضل العباس وقيل إنه ضربه بعمود من حديد ، ورمى الإمام الحسين عليه السلام وكان يقول تعلق سهمي بسرباله وما ضره شيء فقبض عليه وأراد أهله أن يوسطوا أحدا عند المختار ، فقال من قبض عليه لعبد الله بن كامل نخشى أن يشفع الأميرُ عدي بن حاتم في هذا الخبيث ، فدعنا نقتله فقال شأنكم به ، فنصبوه غرضا ورموه بالسهام إلى أن هلك .

16- مرة بن منقذ العبدي : أحاطوا بداره ، فضربه ابن كامل بالسيف ولكن استطاع الهرب ولحق بمصعب ثم شلت يمينه فيما بعد .

17- زيد بن الرقاد ( الجنبي ) وكان قال رميت منهم فتى بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته يتقي النبل فاثبت كفه فيها وهو عبد الله بن مسلم بن عقيل ، فأحاطوا بداره وخرج عليهم مصلتا بسيفه فقال بن كامل لا تضربوه بسيف ولا تطعنوه برمح ولكن ارموه بالنبل ، وارجموه بالحجارة ففعلوا به ذلك ، وسقط على الأرض وبه رمق فأخرقوه بالنار .

18- عمرو بن صبيح الصدائي : وكان يقول لقد جرحت فيهم وطعنت بعضهم وما قتلت منهم أحدا فجيء ليلا وهو على سطح داره فأخذ أخذا .. وسجن إلى الصباح ثم قال ابن كامل للمختار : ‘إنه يقول أنه قد جرح في آل محمد وطعن فمرنا بأمرك فقال " علي بالرماح فأمر أن يطعن بها حتي يموت .

19- الحصين بن نمير التميمي الذي كان من طلائع القادة الذين قاتلوا مسلم بن عقيل في الكوفة وقد اسر جنوده عبد الله بن يقطر وسلموه لابن زياد حتى قتل ، وكان له دور سيء في كربلاء وقد هلك في المعركة التي دارت بين جنود المختار وبين جيش بني أمية فقد حمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير فقتله .

20- محمد بن الأشعث قتل في حملة مصعب بن الزبير على جنود المختار في الكوفة .

21- حرملة بن كاهل الأسدي : صاحب السهم المثلث والذي رمى به كبد الحسين عليه السلام ، والسهم الآخر الذي رمى به عنق طفله الرضيع ، تقول الرواية أنه قد أخذه المختار فقطع يديه ورجليه ، وأحرقه بالنار .

22- سنان بن أنس النخعي : الذي احتز رأس الحسين عليه السلام على بعض الروايات ، أو حمله إلى ابن زياد ، تقول بعض الروايات التاريخية أنه كان من جملة من قبض عليهم أيام انتصار المختار وقد قطع جنود المختار أنامله ، ثم قطع يديه ورجليه وأحرق بالنار كما ذكر ذلك السيد بن طاووس في اللهوف . غير أن الطبري ذكر أنه كان قد طلب في الكوفة فهرب إلى البصرة ، فهدم المختار داره . ويظهر من المنتخب من ذيل المذيل للطبري وكذا من ترجمة الامام الحسين لابن عساكر : أنه كان موجودا إلى أيام الحجاج الثقفي ، فقد قال الحجاج : من كان له بلاء فليقم !! فقام قوم فذكروا وقام سنان بن أنس فقال : أنا قاتل الحسين !! فقال بلاء حسن . ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه وذهب عقله فكان يأكل ويحدث مكانه !!



1 - الطلاق - 9

2 - القصص 83

3 - النمل 69

4 - اللهوف في قتلى الطفوف ( فارسي )- 263 مع أن الكاتب قد نقل الرواية عن أبي مخنف إلا أننا لم نجد في الطبري الذي ينقل عن ابي مخنف أكثر روايات المقتل ما هو مذكور أعلاه .

5 - فيض القدير بشرح الجامع الصغير ج 6

6 - تاريخ الطبري ج 4

7 - تم الاعتماد بشكل أساسي على تاريخ الطبري ج 3 . ولسنا في صدد مناقشة كيفية الجزاءات التي تعرض لها أولئك القتلة وإنما في صدد بيان أنه ( بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين ) وأن لا يتصور المجرم بأنه يستطيع أن يفلت من آثار عمله .

8 - الغريب أن أخاه عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي كان ممن خرج مع التوابين بل هو من رؤسائهم ,واستشهد بعد سليمان والمسيب ، كما استشهد معه أخوه الآخر خالد بن سعد بن نفيل . راجع الطبري

9 - الورس : نبت أصفر يكون باليمن يتخذ منه الغمرة للوحه ، تقول أورس المكان - عن الصحاح للجوهري .

ويظهر أنه من بقايا ما أخذه الإمام عليه السلام ـ وهو حقه حيث هو الولي الشرعي دون يزيد ـ من القافلة التي أرسل بها بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية ، وكان عامله على اليمن ، وكانت محملة بالورس والحلل ، فلقيها الحسين عليه السلام في منطقة التنعيم أول خروجه من مكة متجها إلى العراق . وخيّر أصحاب الابل قائلا : لا أُكرهكم ، من أحب أن يمضي معنا إلى العراق أو فينا كراءه وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض . فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقه ، ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه .

يتبع

تحياتي المحايد

تســ الزهراء ــــبيح
26-01-2008, 04:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جعلها الله في موازين أعمالك
دمتِ برعاية الله وحفظه

http://gmrup.com/up/photo/uug52236.gif

تســـــــــ الزهراء ـــــــــــــبيح

المحايد
27-01-2008, 09:46 AM
و عليكم السلام

تســـــــــ الزهراء ـــــــــــــبيح

مروركِ أسعدني

تحياتي المحايد

المحايد
28-01-2008, 01:41 PM
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

تابع

سؤال 27 : هل الذهاب إلى العمل يوم العاشر حرام ؟ وهل يجب التصدق بما كسبه ذلك اليوم ؟



الجواب: ليس حراما ، ولكن يستفاد من بعض الروايات استحباب ترك السعي في الأمور الدنيوية ، وعدم الانشغال بها واستحباب التفرغ لإحياء الذكرى الحسينية ، فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي(1) عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، قال : من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبة وحزنه وبكائه جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرت بنا في الجنان عينه .

كما روى شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله بسنده(2) عن أبي جعفر عليه السلام في حديث زيارة الحسين عليه السلام يوم عاشوراء من قرب وبعد ... إلى أن قال : قلت : وكيف يعزي بعضنا بعضا ؟ قال : تقول : عظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام ، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه الامام المهدي من آل محمد ، وإن استطعت أن لا تنشر ( لا تنتشر ) يومك في حاجة فافعل ، فإنه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن ، وإن قضيت لم يبارك له فيها ، ولا يرى فيها رشدا..) .

هذا لو كان عمل الانسان مملوكا له ، كما هو حال من يعملون في ( الأعمال الحرة ) والتجارة لأنفسهم فإنه يحسن بهم في مثل ذلك اليوم أن يتوجهوا لإحياء الذكرى ، ما لم ينطبق على سعيهم للعمل ذاك عنوان ملزم .

وأما بالنسبة لغيرهم وهم الأكثر ابتلاء ، كالعاملين في مؤسسات مملوكة لأشخاص أو تابعة للحكومات ، فلا يستطيع الشخص الغياب في ذلك اليوم من غير أن يأذن له رب العمل ، وإلا كان غير مالك لأجرة ذلك اليوم في المؤسسات والشركات الأهلية والشخصية ، حيث أن مقتضى عقده معهم أن يعمل في الأيام المتعارفة ، باستثناء التعطيلات الرسمية أو ما أذنوا له في التغيب ، وليس العاشر منها ـ بحسب الفرض ـ وإخلاله بهذا العقد بمقدار ذلك اليوم ، يجعله غير مستحق لأجرته ولا يملكها . فلا بد من استئذان رب العمل أو إخباره عن غيابه ذاك واسترضائه في أمر المال أو إرجاعه عليه .

وبالنسبة للمؤسسات الحكومية ، فإن الحكومات غير الخاضعة للفقيه ، وإن لم تملك ـ كما هو المشهور بين المعاصرين من الفقهاء ـ فلا ولاية لها مالكية ولا شرعية (3)، على التعاقد وإعطاء المال ، واستحصال العمل ، إلا أن ذلك لا يسوغ للعامل وهو طرف العقد أن يتملك أجرة في مقابل يوم عمل لم يذهب إليه ، ولم يقم به . ولذا فإنه يشكل أمر تملكه من قبله ، حيث أن الفقهاء قد صرحوا في فتاواهم بأنهم لا يأذنون في الاستلام إلا مع قيام العامل بواجباته بحسب ما ورد في العقد . ولذا لا بد في ذلك من التصدق بذلك المقدار من المال على الفقير المؤمن والأحوط أن يكون بإذن الحاكم الشرعي ( المجتهد ) الذي له ولاية على مجهول المالك .



1- ( حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق ( رحمه الله ) ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه عن الرضا عليه السلام ..) والرواية يمكن أن تكون معتبرة ، فإن محمد بن ابراهيم هو الطالقاني وقد روى عنه الصدوق مترضيا عليه ، بناء على أن ترضي مثل الصدوق كاشف عن حسن حال المترضى عنه ـ وإن ناقش في ذلك بعض العلماء ـ ، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني هو أبو العباس بن عقدة ، قالوا عنه أنه جليل القدر عظيم المنزلة وأمره في الحفظ والجلالة أشهر من أن يذكر توفي سنة 333 هـ . وعلي بن الحسن بن فضال فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم كما ذكر النجاشي ، وأبوه الحسن بن علي ثقة عظيم القدر ، قيل إنه كان فطحيا وعاد عن ذلك ..

ولا نحتاج إلى هذا بعدما كانت الرواية من الروايات الواعدة بالثواب ، وهي مشمولة لقاعدة التسامح في أدلة السنن .

2- نقله في وسائل الشيعة الحر العاملي ج 14 ص 509 : محمد بن الحسن ، في ( المصباح ) عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة عن أبيه ، عن علقمة . والرواية من حيث السند غير تامة ، فإن صالح بن عقبة ( بن قيس بن سمعان ) وإن كان من رجال تفسير علي ابن ابراهيم ـ القسم الأول

ـ ويكون ثقة على المبنى ، إلا أنه قد ضعف واتهم بالكذب ، كما عن الخلاصة ، إلا أن يقال أن يونس بن عبد الرحمن والذي هو من أصحاب الاجماع قد روى عنه ، ويكون على المبنى المعروف مقبول الرواية ، وقد يناقش ما ذكر في الخلاصة بأنه معتمد في جرحه ذاك على كتاب ابن الغضائري ، والمعروف عندهم التشكيك في كون كل ما في الكتاب الموجود صحيح النسبة إلى الشيخ ابن الغضائري ( والمسألة بحاجة إلى بحث أكثر ، وللتفصيل مقام لا يتسع له هذا المختصر ) . وابوه عقبة بن قيس أيضا لم يوثق لا بتوثيق عام ولا خاص ، ومثله علقمة ( بن محمد الحضرمي ) .

3- أمضى بعض المراجع المعاصرين العقود القائمة بين الموظفين وبين الحكومات ، وبناء عليه ترجع المسألة إلى القسم السابق .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
28-01-2008, 01:48 PM
تابع

سؤال 28 : من الملاحظ أن الإمام الحسين عليه السلام قال في أثناء خروجه من المدينة كلاما ، وأثناء خروجه من مكة كلاما آخر ، وفي الطريق ..غيره وهكذا في كربلاء ؟ كيف تفسرون تعدد لحن هذه الكلمات ؟ والمعاني المختلفة فيها ؟

الجواب: مع التنبيه على دقة ملاحظة السائل ، ونظرته الفاحصة :

نعم يلاحظ المتأمل ، أن هناك تعددا في طريقة إجابات الإمام الحسين عليه السلام ، ولعل في النقاط التالية ما يلقي بضوء على السبب :
1- من المعلوم أن مستويات السائلين للإمام الحسين عليه السلام تتفاوت وتختلف ، فمن الحكمة أن تكون الأجوبة على ( قدر عقولهم ) فليس معقولا أن يجيب شخصا قد تربى على التخاذل ، وآثر الحياة الدنيا ، بأنه لا بد من الثورة على الظالمين ، وأمر الاسلام أعز من أمر الشخص وحياته . ولو أجابه بذلك النحو لما وافق الحكمة . وإنما ينبغي أن يقرب له الهدف الذي ينشده بمقدار ما يستطيع ذلك الشخص تعقل وإدراك الكلام الحسيني .

2- إن النصوص التي تركها الإمام الحسين عليه السلام من خلال محاوراته أو تلك التي ابتدأ بها الناس ، تنقسم إلى قسمين :

ـ قسم يمكن اعتباره وثائق أساسية تمثل العناوين الرئيسة لكامل نهضته وحركته ، وتلقي الضوء على كل تفاصيلها .وهي بمثابة ( الروايات الحاكمة ) في تعبيرات الفقهاء ، التي تقوم بالشرح والتفسير لغيرها ، ولو خالفتها غيرها فإن هذه الروايات الحاكمة ، هي التي تتقدم ، بغض النظر عن نسبة باقي الروايات إليها .
هنا أيضا في النهضة الحسينية نحن نجد بعض الكلمات له صلوات الله عليه بمثابة هذه الروايات الحاكمة ، وخطابات أو وصايا هي التي تفسر مجمل حركته .

وهناك قسم من كلماته ، لا تعبر عن هذا المعنى المتقدم ، وإنما ربما قيلت في جواب من لم يشأ الإمام عليه السلام أن يخبره بتفاصيل أهدافه . والخطأ الذي قد يقع فيه مؤرخون أو قراء للسيرة هو الخلط بين القسمين من الكلمات ، فيقيسون نهضة الحسين بمقياس الكلمات من القسم الثاني مع أنها لا ينبغي أن تقاس إلا بالنحو الأول .

3- إن هناك عدة عوامل يمكن الحديث عنها في النهضة الحسينية ، وكل واحد من هذه العوامل كان يتطلب نوعا من رد الفعل ، والتوجيه الخطابي والثقافي ، وكان الإمام عليه السلام بحسب تقديره للظرف يجيب بالنحو المناسب .

فقد كان من عوامل النهضة الحسينية(1) : رفض البيعة ليزيد ، واستجابته لدعوة أهل الكوفة بأن يقدم إليهم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وهذه العوامل بينها ترتب في الأهمية ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان أهم العوامل ، جميعا وقد حدد الإمام عليه السلام في بداية خروجه هدفه بأنه يريد هذا الأمر ، وبقي هذا العامل على قوته ودفعه إلى الأخير ، بعدما تعطلت العوامل الأخرى ، فإنه بعدما ظهر للجميع أن دعوة أهل الكوفة ليست بتلك الصورة ، وإن كان الحسين عليه السلام ليس بعيدا عنها ، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يغفل آلاف الرسائل الواردة إليه من قبلهم ، بما كان يقوله آخرون أنهم لن يفوا ولن يستمروا ولن يصمدوا وبالتالي فإن عليه أن لا يعطيهم غير الأذن الصماء . هذا لم يكن صحيحا ، وإنما استجاب الإمام عليه السلام إلى بيعة أهل الكوفة وطلبهم منه أن يقدم عليهم .

ولكن هذا العامل لم يكن العامل الأساس ، فقد أشار عليه الكثيرون ومنهم ناصحون له بأن لا يذهب إليهم ، ولم يكن أيضا بالذي يعزب عنه الرأي .

كما أن عامل رفض البيعة لم يكن العامل الأساسي وإن كان أهم من عامل بيعة أهل الكوفة ، إلا أنه كان يمكن له أن يتخلص من البيعة باللجوء إلى اليمن أو الاحتماء بالحرم أو غير ذلك مما أشار عليه به عدد من الصحابة .
والخطأ هو عندما تختلط هذه الأمور فيظن البعض أن الحسين إنما خرج استجابة لكلام أهل الكوفة ، فخُدع بهم !! بينما هو يقول أنه إنما خرج لطلب الإصلاح وللأمر بالمعروف .

وقد تحدث الإمام عليه السلام عن كل واحد من العوامل على حدة ، وفي بعض الحالات كان يجمع عاملين في الحديث . كما سيأتي .
من الأمثلة على العناوين العامة وهي بمثابة الأصول الأصيلة للثورة الحسينية ما يلي من الكلمات :
1- ما قاله الحسين عليه السلام في جواب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عندما دعاه إلى مبايعة يزيد أراد الإمام عليه السلام أن ينهي اللقاء بنحو ( دبلوماسي ) فقال له كلاما قبله الوليد وهو ( ان مثلي لا يعطي بيعته سرا ، وانما احب ان تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة ، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس الى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا ) . وكان يمكن أن ينتهي اللقاء بهذا النحو .. ولكن دخول مروان بن الحكم على الخط اضطر الإمام الحسين عليه السلام أن يكشف آخر سطر في صفحة موقفه : (أيها الامير ! أنا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة وبنا فتح الله وبنا ختم ، و يزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع لمثله ، ولكن نصبح وتصبحون وننتظر وتنتظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة ) .

وهذه الكلمات التي قالها في التالي تختلف اختلافا كبيرا عن ما قاله في البداية ، ففي البداية كان يريد انهاء الأمر وديا من دون ، إعلان موقف صريح وكان الوليد بن عتبة راغبا في حل الأمور بذلك النحو . فلم يكن يريد الاصطدام مع الحسين عليه السلام ، لكن فيما بعد جرت الأمور بنحو جعل الحسين عليه السلام يضع الأمر في إطاره العقيدي ، والسياسي الصريح ، وقال موقفه بأن ( مثلي لا يبايع مثله ) معللا ذلك بأنه ( أهل بيت النبوة بنا فتح الله وبنا يختم .. بينما يزيد رجل فاسق شارب خمر ..) .

2- وصية الإمام الحسين عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية تعتبر من الأصول التي تكشف عن أغراض وأهداف الحسين من ثورته المقدسة ، فقد كتب ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن على بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية : أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، جاء ، بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن الساعة آتية لاريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأني لم أخرج أشرا ، ولابطرا ، ولا مفسدا ، ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي ، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي على بن أبي طالب عليهما السلام ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي يا أخي اليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب ) .

وهذه الوثيقة التاريخية ، التي يحصر فيها عليه السلام هدف ثورته بـأنه إنما خرج لطلب الإصلاح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والسير بسيرة جده وأبيه .. من أهم الوثائق التأريخية التي حفظت للثورة سطوعها وصفاءها .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
28-01-2008, 01:50 PM
تابع


3- من المواضع التي جمع فيها الحسين عليه السلام بين أكثر من عامل للحديث عن دعوة أهل الكوفة ، وبين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمسؤولية ما نقله المؤرخون من ان الحسين عليه السلام خطب اصحابه و اصحاب الحر بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( أيها الناس ، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا على الله أن يدخل مدخله ) . ألا وان هولاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، واظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلال الله ، وأنا أحق من غير . قد أتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فان تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم في اسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ! والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فانما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) .

وأما القسم الثاني من كلماته عليه السلام ، والتي كانت أشبه بدفع الجواب ، والحديث مع الطرف المقابل بما يقنع به ، فهي كثيرة : منها .

ما قاله الإمام الحسين عليه السلام للمسور بن مخرمة الذي ( نصح ) الحسين بأنه : اياك ان تغتر بكتب اهل العراق أويقول لك ابن الزبير : الحق بهم فانهم ناصروك . اياك ان تبرح الحرم فانهم ان كانت لهم بك حاجة فسيضربون اليك آباط الابل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة . فجزاه الحسين عليه السلام خيرا وقال : استخير الله في ذلك .

فإن طريقة الحسين عليه السلام في نهضته لم تكن قائمة على الاستخارة ، هذا بناء على أن مقصود الإمام هو الاستخارة المعروفة .

ومثله كلامه عليه السلام مع أبي بكر( عمر ) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، الذي قال له : يا ابن عم ان الترحم نظارتي عليك وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك ؟

قال : يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا ُيتهم فقل . قال : قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك و يخذلك من انت احب إليه ممن ينصره فاذكرك الله في نفسك .

فقال له الحسين عليه السلام : جزاك الله يابن عم خيرا فقد اجتهدت رأيك ومهما يقضى الله من أمر يكن .

فقال أبو بكر : انا لله عند الله نحتسب أبا عبد الله .

وهكذا قوله لعبد الله بن مطيع العدوي ، الذي استقبله في طريق مكة فقال أين تريد أبا عبد الله جعلني الله فداك ؟ ! قال : ( أما في وقتي هذا أريد مكة ، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك ) . فقال له عبد الله بن مطيع : خار الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه ، غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني . فقال له الحسين عليه السلام : ( وما هي يا ابن مطيع ؟ ) قال : إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة ، فيها قتل أبوك ، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه ، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا ، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام . وروى الدينوري : أن الإمام عليه السلام قال لابن مطيع : ( يقضي الله ما احب ) .

ـ ويمكن أن نصنف أيضا إجاباته القائلة بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنه أمره بأمر ، لا بد أن يمضي إليه لما أخبره الرسول .في هذا الجانب .وليس معنى ذلك أنه لم يكن الخبر حقيقيا ، ولكنه بهذه الطريقة يقطع النزاع مع أشخاص مثل ابن عباس أو ابن الحنفية بحيث لا مجال مع ذلك للحديث عن الأفضل والأحسن ..
إننا نلاحظ التركيز في بعض الأماكن كان على كلمات بعينها ، باعتبار أن السامعين أقرب إلى فهم تلك المفردات والمعاني ، فمثلا هو عليه السلام في المواجهة العسكرية مع الجيش القادم من الكوفة يركز على أنهم هم الذين دعوه ، وطلبوه ، وهذا أبلغ في الاحتجاج(2) . انظر مثلا إلى خطبته في الجيش المعادي يوم عاشوراء : قال عليه السلام :

فتبا لكم أيتها الجماعة وترحا أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم ..

ولعل هذه الخطبة كانت نهاية نقطة التحول الذي حدث عند الحر الرياحي ، وهو نفسه عندما خطب في جيش الكوفة بعد انتقاله إلى معسكر الحسين عليه السلام ركز على هذه النقاط أيضا فقال : يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه(3) .

1 - حقيقة النهضة الحسينية : الشهيد مرتضى مطهري ، تعريب صادق البقال .

2 - جاء في ترجمة الشهيد عمر بن ضبيعة التميمي ، أنه كان شجاعا وكان ممن خرج مع عمر بن سعد فلما رأى رد الشروط على الحسين وعدم تمكينهم إياه من الرجوع من حيث أتى انتقل إلى الحسين ، وهكذا حال يزيد بن زياد ( أبو الشعثاء الكندي ) وغيره ..

3 - الطبري ج 4 ص 326

يتبع

تحياتي المحايد

فاطمة الزهراء
28-01-2008, 03:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم يا كريم

جميل اخي الكريم ما نقلت ووضحت لنا هذا المساهمة الرائعه
من تفاصيل في غاية الدقة عن الثورة الحسينية ..
واسمح لي بأضافة هذا الكتاب الذي قرائته من قبل وهو بعنوان ..
مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب ...
للخطيب الحسيني .. الشيخ عبد الوهاب الكاشي .. وهذا هو رابط الكتاب ..

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب (http://www.holykarbala.net/books/tarikh/m_hussain/middle.html)

أن شاء الله تعالى يعجبكم وينال استحسانكم وقبل اي شئ تستفيدون منه ..
تحياتي لك اخي على هذا المجهود الطيب وجعله الله في ميزانك ..
بالتوفيق ان شاء الله تعالى ...


فاطمة الزهراء -pf

المحايد
28-01-2008, 07:54 PM
و عليكم السلام

أخت فاطمة الزهراء

جميل ما زودتينا به

و شكرًا على المداخلة

تحياتي المحايد

المحايد
28-01-2008, 08:00 PM
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

سؤال 29 : كيف توفقون بين كون جابر بن عبد الله كفيف البصر في كربلاء حيث كان يقوده خادمه أو غلامه عطية ، وبين كونه قد رأى الإمام الباقر عليه السلام في المدينة وهو صغير فقال شمائل كشمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بلغه سلام النبي ؟ فإن كان كفيفا كيف رأى الباقر وإن كان مبصرا حينئذ فكيف كان كفيفا في الأربعين ( العشرين من صفر ) ؟

الجواب: في البداية نحب أن نوضح جانبا من حياة الراوي الثقة عطية العوفي ، فإنه يغمط حقه عادة مع أهمية دوره وربما لا يذكر اسمه في المحافل إلا في مرة واحدة هي كونه غلاما أو خادما لجابر ، ولم يكن غلاما ، وإنما هو تلميذ نجيب لجابر وراو واع لأحاديثه وصاحب مواقف وإليك بعض الكلمات عنه ، ثم نجيب على السؤال الأصلي :


عطية بن سعد بن جنادة العوفي توفي سنة 111 هـ


كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أول من أسلم من أهل الطائف (1) ، وصحب النبي صلى الله عليه وآله ، وروى عنه عددا من الأحاديث (2) ، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله كان ممن عرف أمير المؤمنين عليه السلام ، ووالاه وشارك معه في حروبه ، وروى عنه بعض الأحاديث (3) .

وربما كان في أواخر خلافة أمير المؤمنين عليه السلام عندما ولد له ابن ، جاء به إلى الإمام عليه السلام لكي يسميه ، فقال هذه عطية الله ، وسماه عطية .

ونشأ عطية في الكوفة ، ولذا لقبه بعضهم بالكوفي ( إضافة إلى العوفي ) .وتشرب التشيع من أجوائها ، وممن صحبهم فيها ، ولعل أكثرهم تأثيرا فيه جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري ( أو ال***ي ) .

ولعل الناظر إلى نوعية الأحاديث التي رواها ، وأكثر منها يعرف سر تضعيف رجاليي الجمهور لعطية ، فإنه قد روى حديث الثقلين(4) ، وأن الأئمة اثنا عشر(5) ، وحديث سفينة نوح(6) ، وتفسير آية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) في أهل البيت(7) ، وحديث الغدير ، والمنزلة وسد الأبواب غير باب علي عليه السلام ، وحديث إعطاء النبي صلى الله عليه وآله فدكا ، وروى خطبة الزهراء الفدكية (8) وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في المهدي أنه ( رجل من أهل بيتي )(9).. وغيرها .

لم يكتف عطية فيما يظهر من حياته بمجرد الولاء النفسي والموقف الفكري ، بل كان لديه رؤية واضحة في المجال السياسي ، تجلت في موقفه المضاد للحكم الأموي معتمدا على ما رواه من أصحاب رسول الله ، عنه صلى الله عليه وآله : ( إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا وعباد الله خولا و مال الله دولا..)(10)

وهو وإن لم يلحظ له ذكر في أيام الحسنين عليهما السلام ، إلا ما يروى عن ذهابه مع شيخه جابر بن عبد الله إلى كربلاء يوم العشرين من صفر وافتراقه عنه بعد ذلك كما يظهر من ذيل الرواية التي نقلها عماد الدين الطبري في كتابه بشارة المصطفى ، إلا أننا نلاحظ له دورا فيما بعد كربلاء ، فقد شارك بدور فاعل في ثورة المختار الثقفي ، وكان على رأس الجماعة الطليعيين والأقوياء الذين ارسلهم المختار إلى مكة المكرمة ، لانقاذ الهاشميين الذين سجنهم عبد الله بن الزبير بعد أن رفضوا مبايعته ، وعزم على إحراقهم ( !!!) في خندق إن لم يستجيبوا لبيعته .

( ...فقطع المختار بعثا إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف فعقد لابي عبد الله الجدلي عليهم وقال له سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدا وانفذ لما أمروك به وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى بن الزبير ثم لا تدع من آل الزبير شفرا ولا ظفرا ...

فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة فجاء المستغيث اعجلوا فما أراكم تدركونهم فقال الناس لو أن أهل القوة عجلوا فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ويقال بل تعلق بأستار الكعبة وقال أنا عائذ الله !!

قال عطية ثم ملنا إلى بن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر لو أن نارا تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة وعجل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه . وأقبل أصحاب بن الزبير فكنا صفين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلا إلى صلاة حتى أصبحنا وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس فقلنا لابن عباس وابن الحنفية ذرونا نريح الناس من بن الزبير فقالا هذا بلد حرمه الله ما أحله لاحد إلا للنبي عليه السلام ساعة ما أحله لاحد قبله ولا يحله لاحد بعده ... )(11) .

ولما عادت الأمور إلى سيطرة بني أمية ، وعاث الحجاج في الأرض فسادا يتطلع إلى الرؤوس اليانعة ، ويسكر بمنظر الدماء ترقرق بين العمائم واللحى !! وضج الناس من عموم الظلم ، وشموله ، حتى الذين كانوا محسوبين تاريخيا على بني أمية كبني الأشعث لم يتحملوا ذلك المقدار فكان أن أعلن عبد الرحمن بن الأشعث تمرده على الحجاج ، بعدما جمّرهم في البعوث ، لا يهمه غير الانتصار على عدوه لجلب الغنائم ، ولا يخسر شيئا على التقديرين ، فإن قُتل هؤلاء فقد استراح من ( همّ القلب ) وإن قتل أولئك جاءت غنائمهم وجواريهم !!

وكان عطية من جملة الثائرين .. قال بن سعد ( ..خرج عطية مع ابن الاشعث على الحجاج ، فلما انهزم جيش ابن الاشعث هرب عطية إلى فارس ، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم : أن ادع عطية فان لعن علي بن أبي طالب والا فاضربه اربع مئة سوط !! واحلق رأسه ولحيته ، فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج ، فأبى عطية ان يفعل ، فضربه اربع مئة سوط ، وحلق رأسه ولحيته ، فلما ولي قتيبة خراسان خرج عطية إليه ، فلم يزل بخراسان حتى ولي عمر بن هبيرة العراق ، فكتب إليه عطية يسأله الاذن له في القدوم ، فأذن له ، فقدم الكوفة ، ولم يزل بها إلى ان توفي سنة إحدى عشرة ومئة ..وكان ثقة وله احاديث صالحة ..)

وأما الاجابة على السؤال السابق : فإنه من التتبع للروايات التاريخية ، وفي كتب الحديث يظهر أن هناك عدة احتمالات في وقت فقدان جابر لبصره : ـ ونحن نرجح أنه لم يكن كفيف البصر في يوم الأربعين ـ

الاحتمالات الموجودة :

1ـ أنه كان كفيف البصر في يوم الأربعين ( العشرين من صفر ) سنة 61 هـ .. وقد يستفاد هذا من ظاهر رواية صاحب بشارة المصطفى كما في قوله : ألمسنيه ( القبر ) .. وقوله فيما بعد خذني نحو ابيات كوفان .

2ـ أنه كان كفيف البصر يوم واقعة الحرة ، كما يستفاد من رواية البداية والنهاية(12) التي تنتهي إلى ابنيه .

3ـ أنه كان كفيف البصر في زمان عبد الملك بن مروان ( من سنة 73 هـ ـ سنة 86 هـ ) ، وبالتحديد في سنة خمس وسبعين عندما حج هذا وذهب إلى المدينة كما ذكره ابن سعد في الطبقات (13) فقد صرح فيه بأنه كان قد كف بصره . وبعدها توفي كما عليه أكثر المؤرخين في سنة 78 هـ .

ـ أن يكون قد كف بصره قبل سنة ( 74 هـ ) وبعد سنة ( 71 ) هـ .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
28-01-2008, 08:02 PM
تابع

مناقشة الاحتمالات :

أما الاحتمال الأول ، فلا مقتضي للالتزام به إلا ما يظهر من رواية بشارة المصطفى المتقدمة من خلال كلمات ( ألمسنيه ـ القبر ـ وقوله : خذني إلى أبيات كوفان ) وهذه لا صراحة فيها بل لا ظهور في العمى ، فإن الرجل الكبير مثل جابر في ذلك السن المتقدم ( حوالي 82 سنة أو 87 سنة ) ، ( إذ أن عمره عندما توفي كان 95 سنة ) يحتاج إلى مساعدة شخص يكون معه ، وهكذا ألمسه القبر ، ثم أخذه إلى طريق كوفان دليلا ومرافقا . وربما يكون ذلك من أثر حالة الحزن الشديد والبكاء المتواصل التي اعترت جابرا إلى حد أنه قد وقع مغشيا عليه على القبر ، لما لمسه .

بل في نفس الخبر الذي نقله صاحب بشارة المصطفى قرائن أخرى تخالف هذه العبارات : مثل قول ( عطية ) عن جابر أنه دنا من الفرات ثم قوله دنا من القبر ؟ .. وهكذا قوله فيما بعد ثم جال ببصره حول القبر . فكيف يجول ببصره وهو كفيف ؟

ولم يذكر في أي مصدر آخر م المصادر التي تعرضت لحياة جابر على نحو مستقل أو ضمنا ، أي إشارة إلى كونه كفيف البصر في تلك المرحلة .

على أنه مخالف لما اتفق عليه الرجاليون والمؤرخون من أن جابر بن عبد الله إنما كف بصره في أواخر عمره ( وبعضهم يقول آخر عمره ) ، ولا يقال لمن كف بصره قبل سبعة عشر سنة من وفاته أنه فقد بصره في أواخر عمره .

وهو يصطدم بما ذكر في أكثر المصادر الشيعية ( وبعض المصادر السنية ) من لقائه بالإمام الباقر عليه السلام ، في المدينة فيما بعد ، ونظره إليه وتعرف شمائل النبي صلى الله عليه وآله فيه(14) .

الاحتمال الثاني : يلحق سابقه في الضعف ، ولا دليل عليه سوى رواية محمد وعبد الرحمن ابني جابر . وقد نقله في البداية والنهاية باثبات ( خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره ) بينما لم تكن هذه الجملة في رواية محمد بن جابر بنفس النص التي رواها في كتاب الآحاد والمثاني .. أي لم يكن في هذا الكتاب غير نص ( من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين ووضع يده على جبينيه ) .

إضافة إلى ما سبق ذكره في رد الاحتمال الأول .

الاحتمال الثالث : وهو الذي نرجحه أن جابر بن عبد الله بعدما بقي في الكوفة لمدة من الزمن ، عاد إلى المدينة كما ينص عليه المؤرخون وبقي فيها وفي هذه الأثناء حدثت واقعة كربلاء ، ولا نعرف شيئا عن الاسباب التي منعت جابر عن الخروج من المدينة مع الحسين ( وهي ليست بالضرورة العمى وفقدان البصر ) فإن الحسين عليه السلام لم يدعُ كل من كان في المدينة للخروج معه بعد موت معاوية ، وإنما خرج مع أهل بيته من المدينة المنورة متجها إلى مكة ، والذين التحقوا به من غير أهل بيته إنما التحقوا به من مكة المكرمة أو من الطريق أو ممن راسلهم في الكوفة أو البصرة.

وبعد الواقعة قدم جابر بن عبد الله إلى كربلاء زائرا ، فوافى هناك الركب الحسيني بما ذكرناه في الحديث عن اللقاء بين ركب السبايا وجابر ( فراجعه في موضعه في القسم الأول ) .

ثم بعد أن عاد الى الكوفة كر راجعا إلى المدينة وبقي فيها ، وتعرض للأذى الشديد لا سيما في وقعة الحرة ، وفي زمان عبد الملك تعرض لعنت الحجاج الثقفي الذي ولي على المدينة سنة 74 هـ ، فقام يتتبع أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله بالإهانة والإذلال حتى لقد ختم عنق سهل بن سعد الساعدي ، وختم كف جابر بن عبد الله الأنصاري كما ذكر الطبري .

في هذه الفترة أي ما بين سنة ( 71 هـ وبين سنة 74 هـ ) كف بصر جابر ، وكان قد التقى بالإمام الباقر عليه السلام قبيل هذه الفترة وقبل فقده البصر(15) .

تذييل في احتمالات كيفية اللقاء وصوره المختلفة :

* يحتمل أن يكون الإمام عليه السلام قد جاء مع والده لزيارة جابر ، كما في تاريخ دمشق ، وأنه لم يبق جابر بعد ذلك اللقاء إلا بضعة عشر يوما حتى توفي .. يضعف هذا أن في الرواية أن الباقر كان صبيا صغيرا ، مع أنه مع فرض ولادة الإمام الباقر في سنة 58 هـ ، ووفاة جابر سنة 78 هـ يكون عمره حينئذ عشرين سنة ولا يمكن أن يقال لمثله ( صبي صغير ) ، وحتى لو كانت وفاة جابر سنة 74 هـ يكون عمر الباقر عليه السلام ستة عشر عاما ، وكذلك لا يقال صبي صغير لمن كان في مثل تلك السن .

* كما يحتمل أن يكون اللقاء بين الإمام الباقر وبين جابر قد حدث قبل سنة 74 هـ ( والتي هي سنة وفاته أيضا على رأي جماعة من المؤرخين وإن كانت تضعف برواية أخرى تفيد أن لقاءه بعبد الملك بن مروان سنة 75 هـ ) ، فاللقاء تم بينه وبين الإمام حينما كان جابر مبصرا ، وربما يكون في حدود سنة ( 70 هـ ) أو ما بعدها بقليل ، وفيها مثلا قد يكون جابر يجلس للحديث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ويتشوق إلى أداء أمانة رسول الله ، فيقول يا باقر ويا باقر ..إلى آخر ما ذكر في الأحاديث المختلفة ، حتى إذا التقاه وعرّفه رسالة جده وبلغه سلامه ، كان جابر يأتي الإمام الباقر عليه السلام ، ويتدارسان العلم النبوي ، فربما تصور الناس أن الباقر يتعلم منه وإنما كان يعلمه كما في رواية أبان بن تغلب .

وهذا الاحتمال يمكن أن توفق به سائر الروايات ، سواء تلك التي قالت أنه رآه في طريق فيه كتّاب أو أنه قال له يا غلام حيث يكون عمره في ذلك الوقت حوالي ( 13 ) سنة . أو غيرها كالتي ورد فيها أن جابر كان ينظر في الصحيفة التي كان فيها أسماء المعصومين عليهم السلام وكان الباقر يقرأ من حفظه ، وجابر يتابعه بالنظر في الصحيفة فما خالف حرفا .




1 - أسد الغابة - 2

2 - منها قوله صلى الله عليه وآله ( إن الله زوجني في الجنة مريم ابنة عمران ، وامرأة فرعون ، واخت موسى ..) وفي حديث آخر يخاطب فيه خديجة ، زوجني معك ...

3 - منها قوله عليه السلام : أمرت بقتال القاسطين والناكثين والمارقين .. ) كما في تاريخ دمشق ج 42

4 - ففي مسند أحمد ج 3 : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك يعني ابن سليمان عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عزوجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .

5 - في كفاية الأثر للخزاز القمي : أخبرنا أبو المفضل رضي الله عنه ، قال حدثنا الحسين ( 1 ) ابن زكريا العدوي ، عن سلمة بن قيس ، عن علي بن عباس ، عن ابن الحجاف ، عن عطية العوفي ، عن ابي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الائمة بعدي تسعة من صلب الحسين عليهم السلام والتاسع قائمهم ، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم .

6 - أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ج 2 ص 22 :

حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ربيعة الكلابي أبو مليل الكوفي حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقري عن أبي سلمة الصائغ عن عطية عن أبي سعيد الخدرى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له .

7 - المعجم الأوسط - الطبراني ج 2 ص 229 :

حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا أبو الجواب الاحوص بن جواب عن سليمان بن قرم عن هارون بن سعد عن عطية العوفي قال سألت أبا سعيد الخدري من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فعدهم في يده خمسة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين قال أبو سعيد في بيت أم سلمة أنزلت هذه الآية

8 - بلاغات النساء لابن طيفور

9 - كتاب الفتن للمروزي

10 - البداية والنهاية لابن كثير - 10

11 - الطبقات الكبرى 5

12 - البداية والنهاية - ابن كثير ج 8 ص 244 :

الدارقطني : ثنا علي بن أحمد بن القاسم ، ثنا أبي ، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، ثنا أبو زكريا ، يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الانصاري ، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا : خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره فقال : تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا أبة وهل أحد يخيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : - رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أخاف أهل هذا الحي من الانصار فقد أخاف ما بين هذين - ووضع يده على جبينه - "

13 - الطبقات الكبرى - محمد بن سعد ج 5 ص 231 :

أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال رأيت جابر بن عبد الله دخل على عبد الملك فرحب به عبد الملك وقربه فقال جابر يا أمير المؤمنين إن المدينة حيث ترى وهي طيبة سماها النبي عليه السلام وأهلها محصورون فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل أرحامهم ويعرف حقهم فعل قال فكره ذلك عبد الملك وأعرض عنه وجعل جابر يلح عليه حتى أومأ قبيصة إلى ابنه وهو قائده وكان جابر قد ذهب بصره أن أسكته قال فجعل ابنه يسكته قال جابر ويحك ما تصنع بي قال اسكت فسكت جابر فلما خرج أخذ قبيصة بيده فقال يا أبا عبد الله إن هؤلاء القوم صاروا ملوكا فقال له جابر أبلى الله بلاء حسنا فإنه لا عذر لك وصاحبك يسمع منك قال يسمع ولا يسمع ما وافقه سمع وقد أمر لك أمير المؤمنين بخمسة آلاف درهم فاستعن بها على زمانك فقبضها جابر قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال أقام الحج سنة خمس وسبعين عبد الملك بن مروان ثم صدر فمر على المدينة فخطب الناس على المنبر ثم أقام خطيبا له آخر وهو جالس على المنبر فتكلم الخطيب فكان مما تكلم به يومئذ أن وقع بأهل المدينة وذكر من خلافهم الطاعة وسوء رأيهم في عبد الملك وأهل بيته وما فعل أهل الحرة ثم قال ما وجدت لكم يا أهل المدينة مثلا إلا القرية التي ذكر الله في القرآن فإن الله قال وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون فبرك بن عبد فقال للخطيب كذبت كذبت لسنا كذلك اقرأ الآية التي بعدها ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون وإنا آمنا بالله ورسله

14 - الكافي - الشيخ الكليني ج 1 ص 469 :

15 - هناك رواية نقلها العلامة المجلسي في البحار 46 ، تفيد أنه كف بصره ، ولكنه رد إليه كما أخبره النبي صلى الله عليه وآله ، فرأى الامام الباقر عليه السلام ، لكن هذه الرواية التي نقلها عن أمالي الشيخ الطوسي ، غير معتبرة من ناحية السند .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
30-01-2008, 11:26 PM
تابع

سؤال 30: هل كان الحسين ملاحقا من أعوان يزيد ؟ واضطر اخيرا إلى خوض معركة أم كان ثائرا ؟



الجواب: الناظر إلى مجمل حركة الامام الحسين عليه السلام ، يقطع بأنه لم تكن تلك إلا ما عبر عنه ( اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنازعا في سلطان ولا التماسا لشيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ، وتقام المعطلة من حدودك فيأمن المظلومون في بلادك ) .

وأنه لم يكن سلام الله عليه إلا ثائرا آثر العز والشهادة على الذل والحياة الذميمة فقال ( فليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ) . وأقسم أنه لا يعطي بيده إعطاء الذليل ولا يفر فرار العبيد .

بل إنه رفض أن يتنكب الطريق الأعظم من المدينة المنورة إلى مكة ، مع أن البعض نصحوه بأن يفعل ذلك كما فعل ابن الزبير ، فلم يقبل منهم . وبعدها من مكة إلى كربلاء خرج جهارا أمام الملأ ، إلا حين كادت أن تحصل المواجهة بينه وبين الحر بن يزيد الرياحي ، الذي اقترح عليه أن لا يدخل الكوفة ، فسار على غير الجادة .

إن الملاحَق أو المنهزم لا يفوت على نفسه فرصة النجاة لو حصلت ، بينما حصل للحسين ، وعُرض عليه العديد من فرص ( النجاة ) .. وكان الحسين عليه السلام لا يبحث عن فرصة لنجاته وإنما كان يريد إنقاذ الدين ، وإحياء ما مات منه حتى لو أدى ذلك إلى أن يكون شهيدا في هذا الطريق .

فما رأى السبط للدين الحنيف شفــا إلا إذا دمه في كربلا سفكــا

وهذا هو ما لم يفهمه بعض من عاصره ، ولذلك طفقوا يقترحون عليه مرة أن يعتصم بالبيت الحرام حتى ينجو فإنه أعز واحد في الحرم !! ، وأخرى يشار عليه بأن يذهب إلى اليمن فإنهم شيعة أبيه ، وثالثة يشاور في أمر الذهاب إلى جبال آجا وسلمى !! بل أشار عليه بعضهم بأن ( أوَلا تنزل على حكم بني عمك ؟ فإنهم لن يُروك إلا ما تحب !!) .

وعرض عليه عمر بن سعد ذلك ، ولكن الحسين عليه السلام ، ما كان يبحث عن نجاته هو وإنما كان يبحث عن تحقيق هدفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

سؤال 31: ألا يخشى أن تؤدي كثرة التدقيق في مسائل السيرة ونفي بعضها إلى تقليل ولاء أتباع أهل البيت عليهم السلام ، والتأثير سلبا على الاعتقادات الأخرى ؟ فيكون فتح هذا الباب سيئا لأجل هذه الأثر السيء ؟



الجواب: نحن نعتقد خلاف ذلك للأمور التالية :

1- لأننا مأمورون بالمعرفة والوعي في كل قضايانا العقيدية ، وقد رأينا أن الذين ساروا على غير بصيرة ومن دون معرفة كيف انتهى بهم الحال إلى مشاكل في الرؤية والعمل .

" ومن ذلك ما يقوله أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحدى وصاياه لكميل بن زياد:

(يا كميل: ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة) ، ويحذر المعصومون (عليهم السلام) من السير دونما بصيرة، لأن ذلك إضافة إلى أنه تبديد للجهد والطاقة و لا يوصل المرء إلى الهدف إطلاقاً بل يبعده عنه. يقول الإمام الصادق (عليه السلام):

(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق فلا تزده سرعة السير إلاّ بعداً) (1) ويجعل الإمام الصادق (عليه السلام) مقياس التفاضل بين العاملين، المعرفة، والبصيرة التي تجعل أعمال المؤمن ضمن الإطار الصحيح، فليست كثرة الصلاة والعبادة الخالية عن الوعي دليلاً على أفضلية المؤمن، إنما البصيرة الرسالية التي تعطي كل عمل أبعاده الكاملة في شخصية المؤمن.. فعن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) قال:

" بعضكم أكثر صلاة من بعض وبعضكم اكثر حجاً من بعض، وبعضكم أكثر صدقة وبعضكم أكثر صياماً من بعض. و أفضلكم أفضل معرفة "

2- نحن نعتقد أن هناك ارتباطا وثيقا بين المعرفة العلمية ، وبين قوة الاعتقاد وديمومة الولاء لأنه يكون في هذه الحالة ثابتا لا يتأثر بعواصف التشكيك(2) ، ولا بحملات الآخرين ، وإنما لسان حال المؤمن ( هذه سبيلي أدعو على بصيرة أنا ومن اتبعن ) ، لهذا كان ايمان العلماء بالغيب وما يرتبط به أقوى من إيمان غيرهم ، وكان ( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ) .

3- بل هناك ارتباط بين مقدار الثواب والمنزلة الالهية ، وبين الوعي والمعرفة ، فصلاة العالم العارف تختلف عن صلاة غيره(3) وزيارة المعصومين عليهم السلام مطلوبة لكن زيارة الزائر إذا كان ( عارفا بحقهم ) أفضل .

ثم إننا نعتقد أن الكثير مما هو في السيرة ثابت ومحقق ، وينبغي الاعتناء به ، ولكن هناك بعض القضايا مما لا تعد من الأساسيات ، لا ثبوت لها ، وهذه لا يؤثر قبولها وردها كثيرا في ميزان الولاء والاعتقاد . حيث أنها لا تتصل في الغالب بأمور عقيدية وإنما هي تفاصيل في السيرة

ولو كان المذكور صحيحا ، أن التحقيق والبحث والمعرفة تؤثر سلبا على الولاء والاعتقاد السليم لرأينا أئمتنا ينهون عن التعلم والتعرف والحال أنهم يأمرون به . ولرأينا علماءنا يجتنبونه والحال أنهم يحققون فيه .

بل بالعكس نعتقد أن الانسان كلما ازداد بصيرة ، ازداد بمقدارها اعتقادا وولاء .



1 - الأحاديث من تحف العقول

2 - للتفصيل يراجع كتاب التشكيك .. كيف واجهه أهل البيت .. للمؤلف

3 - في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام ( من أتى الصلاة عارفا بحقها غفر له ) . وفي الحديث عن الامام الكاظم عليه السلام ( ما أتى الحسين آت عارفا بحقه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) يراجع ميزان الحكمة .


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
02-02-2008, 01:26 PM
تابع

سؤال 32: هل كل الشيعة يحيون عاشوراء بنفس ترتيب الأيام المعروفة لدينا ، مثل كون السابع خاصا بالعباس وهكذا ؟ وكيف وضعت هذه الأيام ومن كان واضعها ؟ وكيف كانوا يحيونها قبل هذا الترتيب ؟



الجواب: لا يظهر في الروايات الواردة عن إحياء أهل البيت عليهم السلام لهذه المناسبة توزيع أو ترتيب كالذي نراه اليوم ، فإن الروايات تذكر أنهم عليهم السلام كانت تظهر عليهم آثار الحزن من بداية اليوم الأول من محرم ، حتى إذا كان يوم العاشر فهو يوم المصيبة الكبرى . خصوصا أن من يدخل عليهم من الشعراء كان ينعى الحسين عليه السلام ، وشهداء كربلاء ، ويعطف أحيانا على ذكر نساء الحسين وقضية السبي ، مع أنه لم يأت حتى ذلك الوقت يوم العاشر .

أما في العصور المتأخرة ، ( فما درج عليه هيكل المجلس الحسيني الأساسي في العشرة الأولى من شهر المحرم من تسلسل حيث يكون موضوع الخطيب في اليوم الأول ـ كما هو عند الأغلب أو الكثير الحديث عن هلال محرم وما يصاحب ذلك من تداعي المعاني وما يصاحب ذلك من حكايات وما كان له من تأثير عند أئمّتنا الأطهار وشيعتهم وأسلوب احتفالهم به وما كانوا يمارسونه من أنماط الحزن لذلك ، هكذا هو اليوم الأول في الجملة .


وفي اليوم الثاني يتناول الخطيب فضل البكاء على ما جرى من فواجع في واقعة الطف ومشروعية هذا البكاء والتماس الأدلة على ذلك وما يترتّب من الأجر والثواب للباكي التقليدي أو الوفاء للباكي الواعي الذي يبكي لمجرد الإنفعال لمأساة عظيم كالحسين ظلمته أمّته ، يستعمل الخطيب عادة بعض مقاطع باللغتين الدارجة والعربية والمشحونة والمكهربة عاطفياً لاستدرار الدمع .

أمّا اليوم الثالث فغالباً ما يتناول خروج الحسين (عليه السلام) من المدينة المنوّرة وما أحاط به من أجزاء تصوّر المشهد من وداع لقبر جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبر أمّه (عليها السلام) ووداع أهله وكيفيّة موكبه وما رافق ذلك من مناظر مفجعة للوداع(1) .

ويتناول في اليوم الرابع مسير الحسين (عليه السلام)ومروره بالمنازل والتقائه ببعض أهلها ولقاء الحرّ معه وما دار بينهما من مطارحات وما حدث من أعمال وينتهي غالباً إلى حدّ نزول الحسين (عليه السلام) بكربلاء .

ويتخصّص اليوم الخامس لسيرة مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ومكانته وسرّ اختيار الحسين له ليكون رسوله إلى الكوفة إلى مصرعه ومصرع ناصره هاني بن عروة والأحداث التي ارتبطت بذلك اليوم .

في اليوم السادس من محرم تتلى سير شهداء الطف من أنصار الحسين (عليه السلام) مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين وغيرهم ، ودراسة أحوالهم ومكانتهم وما أعدّ الله تعالى لهم .

واليوم السابع يخصّص للعباس بن علي وإخوته أبناء أمّ البنين وما له ولهم من صفات من حيث النسب والمكانة ومؤهّلاته البطولية والإيمانيّة الخ إلى مصارعهم .

واليوم الثامن للقاسم بن الحسن الشهيد الصبي الذي تمتزج ذكراه بما رافقها من آفاق عاطفية زوّجته وصنعت له عرساً نثاره من النبل وخضابه من الدم وحلّته من نسيج امتزج فيه غبار المعركة بلون الدم ولهيب الجرح لينزف بعد ذلك محمولاً على صدر الحسين إلى خيمة جمعته مع لداته بين دموع الأهل وحسرات الأمهات .

أمّا ليلة التاسع فهي ويومها لعليّ الأكبر بن الحسين (عليه السلام) أولّ قتيل من الهاشميين وحالات الحسين عند مصرعه وما يرتبط بذلك من شؤون الآباء مع الأبناء وتشير إلى المشاهد التي تلهبها الأجواء العاطفية ويعمقها الخيال حتى الشهادة .

أمّا ليلة العاشر فهي مخصصة للإعداد للمعركة وذكر ما جرى فيها من عبادة ووداع واستعداد للشهادة والحالة النفسية للعائلة وهي تتوقّع المجزرة صباحاً وفراق أهلها وأحبّتها . وختام ذلك كلّه أحداث صبيحة العاشر التي منها قراءة ما يسمّى بالمقتل حيث تستعرض كلّ ملابسات واقعة الطف والإعداد لها ابتداء من طلب البيعة من الحسين ليزيد والإمتناع والمسير إلى كربلاء مروراً بمكة المكرمة والمنازل ونزولاً بكربلاء واستعراضنا لكلّ الأحداث بما فيها القتال إلى أن ينتهي الأمر إلى مصرع الحسين (عليه السلام ).

وسواء كان هذا الترتيب تعيّنياً(2) وهو الأقرب أم تعيينياً ، فهو على الإجمال وصف للهيكل التقليدي للمجلس الحسيني عند الكثير )(3).

وهذا الهيكل يظهر أنه هو القائم في العراق ، ومحيطها الشيعي المتأثر بها مثل دول الخليج ، وليس معلوما أنه نفس الترتيب الموجود في إيران ، أو الهند وباكستان .

سؤال : ألا تعتقدون أن كثيرا من المواكب العزائية لا تنتج شيئا ، فما أن ينتهي موسم المحرم حتى يعود كل شيء إلى مكانه وتنسى الشعارات التي رفعت أيام المحرم بل إن بعض من يعزون لا يطبقون أهداف الحسين ولا ينسجمون معها ؟

الجواب : مجرد أن الشعارات التي رفعت أيام محرم تنسى ، أو أن بعض المعزين لا يطبقون أهداف الحسين عليه السلام ، لا يضر بموقع المواكب العزائية ، ولا يدفع للاستغناء عنها ، فإننا نجد أن القرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل الذي لو أنزل ( على جبل لرأيته خاشعا من خشية الله ) ومع ذلك فإنه لا يؤثر في حياة كل المسلمين بمعنى أنك تجد العديد من المسلمين وهم غير متأثرين بثقافة القرآن وأخلاقه وتعاليمه ، فهل يعني ذلك عدم فائدة القرآن ؟ أو الاستغناء عنه ؟

وأنت ترى أن الرسول الأعظم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وهو من هو في الفصاحة والبلاغة ، وقوة التأثير لكن بعض من عاصره واستمع إليه مباشرة لم يتأثر بأقواله !! فهل يعني ذلك عدم الفائدة من حديث النبي ؟

إن من المهم أن يكون لدى المجتمع مؤسسات دينية ، ومظاهر اسلامية ، وشعائرية حتى تحافظ على الصورة الاسلامية العامة ، وتكون مقصدا لمن يريد الاهتداء إلى التعاليم الالهية ، هذا ما يحتاجه كل جيل .

كما أنه ليس من الصحيح أن نطلب من الموكب العزائي أكثر من طاقته ، فالموكب العزائي يقوم بدور الشحن العاطفي وتهيئة النفوس لتقبل التوجيه الفكري ، ويصنع انتماء على مستوى العاطفة بين المعزي والمعزى به ، أما أن نفترض أنه محلول كيماوي يدخله المعزي وهو مذنب أو غير واع ، فيخرج من الطرف الآخر بعد ساعة وقد تغير كليا !! هذا مما لا يتوقع أصلا ، والبحث عنه بحث عن السراب .

إن علينا أن نشجع المواكب العزائية بكافة أشكالها ، ونحاول أن نقوي فيها المضمون العاطفي والولائي لأهل البيت عليهم السلام ، وأيضا أن يتم توجيهها توجيها سليما من خلال إشراف الهادفين والواعين على تسييرها ، واختيار الكلمات المناسبة فيها .

لقد رأينا أن بعض ما يقال من قصائد ، و ( رداديات ) تصنع من الانتماء وتشجع الفرد على الالتزام بالقيم الدينية ، أكثر مما تصنعه محاضرات متعددة ، لا سيما في فئة الشباب .

وبناء عليه نحن نعتقد أن المواكب العزائية تصنع الكثير ، الكثير ، ووجود بعض المشاركين ممن لا يتأثرون بعد الموكب ، أو ممن لم يكونوا على خط الانسجام مع الهدف الحسيني قبل الموكب لا يمنع من حصول الفوائد الكثيرة للمجتمع ، ولا بد من تقوية هذه المواكب كماًّ ونوعاًّ .



1 - هناك شيء من الاختلاف في الأيام الأولى ، وحيث أن الترتيب هذا لم يكن من خلال نص شرعي ، أو سيرة مثلا ، وإنما جرى الاعتياد عليه في العصور المتأخرة ، لذلك يحصل الاختلاف بعض الشيء ، ففي بعض دول الخليج يتم في الليلة الثانية الحديث ـ في جهة المصيبة ـ عن الخروج من المدينة ، وفي الثالثة عن الخروج من مكة ، وفي الرابعة عن مسلم بن عقيل وفي الخامسة عن نزول كربلاء . وفي ليلة العاشر يقرأ البعض المصرع ـ إن لم يكن مجلس صباحي ـ . ولا يخفى أن هذا الالتزام قائم بالنسبة للمصيبة والرثاء ، دون المواضيع والمضمون فقد تتعدد المواضيع ولا ترتبط من البداية بالمصيبة التي ستقرأ في الأخير ، والكلام في المتن إنما هو حكاية ما هو سائد غالبا في المنابر التقليدية . .

2 - التعيني والتعييني مصطلحان أصوليان ، يبحث عنهما في العلاقة و الارتباط الحاصل بين اللفظ والمعنى ، فمثلا كلمة كتاب تحمل معنى هذه الأوراق المجموعة على نحو خاص .. ويتبادر إلى الذهن عندما تطلق الكلمة ذلك المعنى ، فمن أين حصل هذا الارتباط بين المعنى الذي سبق إلى الذهن وبين ذلك اللفظ ؟ قال بعض بالوضع التعييني أي أن واضع اللغة ـ علىاختلاف المسالك في هوية الواضع ـ قد عيّن ووضع هذا اللفظ بإزاء ذلك المعنى بأن يقول وضعت لفظ ( كتاب ) في هذا المعنى المعين . والثاني وهو الوضع التعيّني بأن يكثر استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج إلى تعيين الواضع ، ولا يحتاج انسباق المعنى إلى قرينة . وقد استفاد المؤلف من هذين الاصطلاحين في هذا المورد ..

3 - تجاربي مع المنبر للوائلي ص 57


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
02-02-2008, 01:31 PM
تابع

سؤال 33: هل خرجت زينب عليها السلام بعد مصرع الحسين عليه السلام عصرا ، أو أنها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر ؟ فإننا نجد من يقول بالأول ومنهم بالثاني ؟



الجواب: سوف ننقل ما ذكره المؤرخون من خروج زينب بشكل عام ، ومن خلاله سيتم الاجابة :

فقد ذكر المؤرخون أن زينب عليها السلام خرجت في المواضع التالية خارج (1)المخيم :

1- خروج زينب عندما قتل علي الأكبر عليه السلام ، فقد ذكرالطبري في تأريخه نقلا عن أبي مخنف ينهيه إلى حميد بن مسلم قال سماع أذنى يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بنى ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عنها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه(2).

2- خروج زينب عندما أرادت أن ترجع الغلام عن عمه : وهذه الحادثة قد رويت في كلمات المؤرخين بأكثر من نحو ، فمن بعضها يستفاد أن الحسين عليه السلام كان يقاتل وخرج في هذه الاثناء عبد الله بن الحسن المجتبى عليه السلام ، بينما يستفاد من بعضها الآخر أن الحسين كان قد وقع صريعا على الأرض ولا يستطيع القتال ، وقد أحاط به القوم لكنهم كانوا يتهيبون قتله فانفلت في هذا الحال عبد الله ، منطلقا إلى عمه للدفاع عنه ، فنادى الحسين عليه السلام اخته زينب أن تمسكه وتحبسه ، فلم يقبل ، وتخلص منها وجاء إلى عمه ، فدفع عن عمه ضربة سيف قام بها بحر بن كعب ، واتقاها الغلام بيده فإذا يده معلقة بجلدة !! فضمه الحسين إلى صدره .

3- خروجها عليه السلام ومخاطبتها لعمر بن سعد ، ولعل هذا الخروج هو نفس السابق ولكن في مشهدين ، نُقلا مقطعين .. فقد ذكر الطبري عمن حضر المعركة قوله : فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ولا أجرأ مقدما والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب قال فوالله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته ...وهي تقول ليت السماء تطابقت على الارض وقد دنا عمر بن سعد من حسين فقالت يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه قال فكأني أنظر إلى دموع عمر وهى تسيل على خديه ولحيته قال وصرف بوجهه عنها(3) !! . ثم نادى شمر ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ..الخ .

وهذه الموارد الثلاثة يظهر منها أن خروج العقيلة زينب عليها السلام كان قبل مقتله سلام الله عليه .

4- ما يستفاد من زيارة الناحية المقدسة ( ...حتى نكسوك عن جوادك ، فهويت الى الأرض جريحا ، تطؤوك الخيول بحوافرها ، وتعلوك الطغاة ببواترها ، قد رشح للموت جبينك ، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك ، تدير طرفا خفيا الى رحلك وبيتك ، وقد شغلت بنفسك عن ولدك واهلك ، واسرع فرسك شاردا ، والى خيامك قاصدا ، محمحما باكيا . فلما رأين النساء جوادك مخزيا ، ونظرن سرجك عليه ملويا، برزن من الخدور ، ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك ، مولع سيفه على نحرك ، قابض على شيبتك بيده ، ذابح لك بمهنده ، قد سكنت حواسك ، وخفيت أنفاسك ، ورفع على القنا رأسك..) فإن فيه تصريحا بخروج النساء ولا شك في كون زينب معهن ..

لكن لا صراحة في هذه الكلمات بأن الخروج كان بعد المصرع ، فقد يمكن فهم هذا النص (4) على أنهن خرجن حالة كون الشمر جالسا على صدر الحسين عليه السلام ، وذبحه له واستمر ذلك إلى ما بعد الذبح .. فيكون الخروج مترافقا مع الذبح ومستمرا إلى ما بعده .

وقد يفهم على أن النص ينقل صورا مختلفة من الواقعة فيكون ذبح الشمر للحسين ، وما ذكر في النص معطوفا على الصورة الأولى وهي صورة خروج النساء ، كما أن الخروج بتلك الصورة لم يكن حالة ذبح الحسين عليه السلام .. والشاهد عليه أنه بعد ذلك قال ( .. وسبي اهلك كالعبيد ، وصفدوا في الحديد ، فوق أقتاب المطيات ، تلفح وجوههم حر الهاجرات ، يساقون في البراري والفلوات ، أيديهم مغلولة الى الأعناق ، يطاف بهم في الأسواق ..) .

وعلى أي حال فإن فُهم من النص السابق أن خروج النساء كان في حالة ذبح الحسين واستمر لما بعده ، فإنه شاهد على خروجهن بعيد المصرع وعدم انتظارهن إلى الليل .

5- ما ينقل عن كتاب الطراز المذهب ، من أن زينب عليها السلام خرجت إلى حيث صرع أخوها الحسين فقالت : اللهم تقبل هذا القليل من القربان . وقد نقل تلك العبارة عنه الحجة الشيخ فرج العمران رحمه الله في كتابه وفاة السيدة زينب ، قال : فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين ( ع ) قالت : اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال : فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث حرقت العادات ولحقت بالمعجزات . قال المؤلف النقدي(5) أعلا الله مقامه : فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة ، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة ، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى ، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل .

ولا يُعلم بدقة هل كان هذا الوقوف عند الجسد بعد المقتل مباشرة أو أنه كان في الليل . بل ذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام إنما تم في اليوم الحادي عشر كما يرى الشيخ الحائري في كتابه شجرة طوبى وكما يظهر من صاحب كتاب قصة كربلاء(6).

فلم يظهر أن هناك دليلا وثيقا يعتمد عليه في تحديد وقت الخروج وأنه كان الليل أو النهار ، لكن لو أريد التقريب ببعض الاعتبارات فإنه يستقرب أن الخروج كان ليلا . وذلك باعتبار أن الواقعة قد انتهت بحسب الأخبار في وقت العصر ، ولما ذبح الحسين عليه السلام ، غارت الخيل على مخيم الحسين وبدأ السلب والنهب ، ثم تم حرق المخيم ، وانتشرت النساء والأطفال في الصحراء خوفا من النار ، ومن هجمة الخيل ، وبدأت زينب تجمع النساء والأطفال ، وتدافع عنهن من السلب والتعدي ، ويفترض أن هذه الحالة قد امتدت إلى زمن ليس بالقصير ، فيبعد والحال هذه أن تترك زينب هذا الجمع من المذعورات والثكالى لكي تذهب إلى جسد الحسين مناجية له !!

وأكثر بعدا من ذلك أن تكون قد ذهبت بالنساء والأطفال إليه ، مع كثرة العدد وتفرقهم وحالة الرعب والخوف الحادثة على أثر الهجوم العسكري .

نعم يمكن ذلك بعد استقرار الأمور ، وإرخاء الليل سدوله الساترة ، أن تخرج زينب وربما معها غيرها ، إلى جسد الحسين عليه السلام . خصوصا مع ملاحظة انستارها في ذهابها ومجيئها ليلا دون النهار الفاضح والكاشف !

لكن يبقى كل هذا في مستوى الاستقراب ، ولا يرقى إلى كونه دليلا . خصوصا لو قرئ نص الزيارة بنحو يفهم منه أنهن خرجن في حال ذبح الحسين واستمرار ذلك إلى ما بعد المقتل . وأيضا مع فرض أن الزيارة نص صادر عن المعصوم .



1 - من خلال هذا أيضا سوف يتأيد ما سبق أن ذكر في القسم الأول من هذا الكتاب في إجابة على سؤال ( ناشرات الشعور ) ، وأن أحد الاحتمالات فيه هو أنهن لم يخرجن خارج المخيم ، وإنما خرجن من خدورهن في داخل حدود المخيم .

2 - الطبري 4 - 340

3 - الطبري 4 - 345

4 - قد سبق الحديث عن القيمة التاريخية لزيارة الناحية من حيث كونها كلام المعصوم أو لا .

5 - ذكر المرحوم الشيخ فرج بأنه انتخب ( وفاة ) العقيلة زينب من كتاب زينب الكبرى للمحقق الشيخ جعفر النقدي رحمه الله .

6 - ذكر ه ناقلا إياه عن كتاب المناقب لابن شهرآشوب ،الكتاب الموجود في شريط ( المعجم الفقهي ) لا يحتوي على تلك الجملة كما ان صياغة النص في قصة كربلاء ( ثم وقفت على جسده الشريف بخشوع وتأمل وبسطت يديها تحت الجثمان المقدس ..) لا ينسجم مع طريقة التعبير السائدة في زمان ابن شهرآشوب ويظهر أن هناك اشتباها في الارجاع كما هو متعدد في الكتاب لمن يلاحظ .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
04-02-2008, 11:00 PM
تابع


سؤال 34 : هل قتل الحسين بأمر يزيد أو أن ابن زياد تصرف من قبل نفسه ؟ فإننا قد نقرأ في بعض الكتب أن يزيد لم يكن راضيا بقتله ، وإنما كان ابن زياد هو الذي تعجل عليه !!

الجواب : في الواقع هو مأزق المؤرخ الرسمي الممالئ ، والذي لا يستطيع أن أن يواجه الواقع بصراحته فيظل يدور حول القضية من غير هدى ولا بصيرة ، ويتأول في غير مجال التأويل ، فهو تارة يقول أن يزيد مجتهد ولكنه مخطئ في اجتهاده ، وأخرى يحاول أن ينفي هذه المسألة ، ويلقي بمسؤولية ما حدث على أهل الكوفة ، وثالثة قد يكون أكثر ( صفاقة ووقاحة ) فيلقي بالمسؤولية على الحسين عليه السلام ، باعتبار أنه جاء ( وأمر الأمة جميع ) !! ففرقها ؟؟ بينما كان يزيد داعي الوحدة والصلاح !! وبالتالي فقد قتل الحسين عليه السلام بسيف سله جده الرسول !! بل الأظرف من ذلك أنهم في بعض الأحيان يلقون بمسؤولية قتل الحسين وأصحاب الحسين على الله سبحانه !! فالله هو الذي قتل علي بن الحسين كما قال بن زياد عندما دخلوا عليه وسأل عن اسم زين العابدين فقيل له : هذا علي بن الحسين . قال : أليس الله قد قتل عليا بن الحسين ؟ .. فالمسألة إذن أن الله هو القاتل ! وهو المسؤول عن تلك الجريمة !!

ولعل أوضح من يترجم لنا عن هذا المنطق المعوج ، كلمات ابن كثير الدمشقي في كتابه ( البداية والنهاية ) فإنه في ترجمة من سماه ( أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنه !!) قال في تحليل مقتل الحسين عليه السلام :

وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه ، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك ، والتحذير منه ، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله ، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها ، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الامة كلها بكمالها ونتهم على نبيها صلى الله عليه وسلم ، فليس الامر كما ذهبوا إليه ، ولا كما سلكوه ، بل أكثر الائمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه ، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله ، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة . فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة ، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه . وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله ، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم ، ولا كرهه ، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه ، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك . وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر و يبدو ، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم(1).

فالقضية عند أن قوما تأولوا على الحسين ، واجتهدوا في أنه أراد أن يفرق كلمة الأمة ويخلع من بايعوه ، واجتمعوا عليه !! ثم إن الذين قتلوه هم شرذمة من أهل الكوفة ! فأما يزيد فلم يقتل ولم يكن راضيا أيضا !

والحقيقة أن يزيد ككثير من السياسيين لهم نوعان من الكلام :

ـ ما يعبر عن معتقداتهم الحقيقية ، وخططهم الواقعية ، وهذا قد يظهر أحيانا بشكل مختصر ـ إذا كان يخالف الرأي العام ـ ولكنه هو المعبر عن بواطن هؤلاء الأشخاص ويلاحظ أنه هو ينسجم تماما مع طريقة حياتهم ، وتوجهاتهم العملية .

ـ وهناك كلام للاستهلاك المحلي ، والتسويق بحسب الظروف المحيطة ، وهذا عادة ما يكون كثيرا وغير منسجم مع الأعمال الحقيقية التي يقومون بها .

والمؤرخون الرسميون يحاولون قدر الإمكان النظر إلى النوع الثاني ، ويجعلونه هو الواجهة ، وهو الكل في الكل ، لكنهم سرعان ما يرتطمون بالوقائع المخالفة لتلك الكلمات ، فيظلون يدورون ويلفون ، ولا يستطيعون حتى إقناع أنفسهم فضلا عن غيرهم .

ومن ذلك ما نقل عن يزيد أنه ما أمر بقتل الحسين عليه السلام ، ولا رضي بذلك ، وأنه لو كان بين ابن زياد وبين الحسين الرحم الذي بين يزيد وبين الحسين لما فعل به ما فعل !! أو أنه سمح بإقامة العزاء على الحسين في الشام بعد وصول النساء والسبايا !

وهذا الكلام كله علف للاستهلاك اليومي يلقى لمن يأكل !! وحقيقة الأمر هو أن يزيد الذي عبر عنه الحسين عليه السلام بأنه ( وعلى الاسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد ) كان منذ اليوم الأول قد عقد العزم على إنهاء وجود الامام الحسين لو لم يبايع .

وعبيد الله بن زياد وإن كان شخصا فاتكا لا يعرف للدين وأهله إلاّ ولا ذمة ، ولذا اختاره يزيد لهذه المهمة وجمع له الكوفة إضافة إلى البصرة ، إلا أنه لم يكن سوى آلة ,وأداة تنفذ ما يطلب منها ، بل إنه لو تأخر عن تلك المهمة لما حصل إلا على العقوبة(2) وكان قد خُير من يزيد بن موته وموت الحسين عليه السلام . ولما أنجز تلك المهمة استحق التكريم والثناء والشكر(3) . لا مجرد الرضا عما قام به .

وأما شذرات الكلام المتناثرة التي سجلها التاريخ من يزيد والتي كانت تنسجم تماما مع طريقة حياته وأعماله قوله وقد جلس على منظر مشرف من قصره ، فجاء في تلك الفترة ركب السبايا فقال :


لما بدت تلك الحمول وأشرقــت = تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح = فلقد قضيت من النبي ديــوني

(4)

وتمثله بأبيات بن الزبعرى :


ليت أشياخي ببدر شهدوا = جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فـرحـا = ثم قالوا يا يزيد لا تشــل

لعبت هاشم بالملك = فـلا خبر جاء ولا وحي نزل

(5)

لكنه لما تغير الرأي العام ، واستعظم جريمة الأمويين في حق الحسين عليه السلام وأهل بيته ، وبدأت بوادر النقمة تظهر للعلن ، آنئذ بدأ يتنصل يزيد من المسؤولية ويلقي بها على ابن زياد وإلا فإنه كما يقول الطبري ( لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين وأصحابه وأرسل برؤوسهم إلى يزيد سر بقتلهم وحسنت منزلة ابن زياد عنده .. ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أظهر الندم ..) . وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء ( فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه ) .



1 - البداية والنهاية 8 - 220

2 - لما اضطربت الأمور على عبيد الله بن زياد بعد هلاك يزيد ، وأبى أهل البصرة طاعته ، هرب منها متجها إلى الشام ، يقول مسافر بن شريح اليشكري الذي رافقه في المسير بعد أن سكت ابن زياد في الطريق طويلا ، قلت في نفسي لئن كان نائما لأنغصن عليه نومه ، فدنوت وقلت له : أنائم أنت ؟ قال : لا إنما كنت أحدث نفسي . قلت : أفلا أحدثك بما كنت تحدث به نفسك ؟ قال : هات . قلت : كنت تقول ليتني لم أقتل حسينا ! قال : وماذا ؟ قلت : تقول : ليتني لم أكن قتلت من قتلت .. فأجابه ابن زياد : أما قتلي الحسين فإنه أشار إلي يزيد بقتله أو قتلي ، فاخترت قتله .. الى آخر حديثه الذي نقله ابن الأثير في الكامل 4 - 140 .

3 - استدعى يزيد واليه ابن زياد ، بعد مقتل الحسين عليه السلام كاتبا إليه : ( أما بعد فإنك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها كما قال الأول :

رفعت فجاوزت السماء وفوقه فما لك إلا مرتقى الشمس مقعد

فإذا وقفت على كتابي فاقدم علي لأجازيك على ما فعلت ..) فلما جاء عنده أجلسه إلى جانبه ، وشربا وهو يقول للساقي :

اسقني شربة تروي مشاشــي ثم مل فاسق مثلها ابن زيــاد

صاحب السر والأمانة عنـدي ولتسديد مغنمي وجهــادي

نقل ذلك صاحب كتاب قصة كربلاء عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ، كما ذكر بعضه المسعودي في مروج الذهب .

4 - جواهر المطالب لابن الدمشقي الشافعي ج 2 .

5 - الطبري 8


يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
04-02-2008, 11:02 PM
تابع

سؤال 35 : لماذا لم نجد عددا من الصحابة المخلصين مع الحسين مثل : جابر بن عبد الله و محمد بن الحنفية ، عبد الله ابن جعفر ، ابن عباس ، وغيرهم ؟



الجواب: إذا كان المقصود أن يستدل على عدم صوابية خروج الحسين عليه السلام وثورته بعدم خروج أولئك الصحابة معه ، فهذا يذكرنا بحوار أبان بن تغلب مع بعضهم ، فعن عبد الرحمن بن الحجاج قال : كنا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب فقال : يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ! فقال له أبان : كأنك تريد أن تعرف فضل علي عليه السلام بمن تبعه من أصحاب رسول الله صلى عليه وآله ! فقال الرجل : هو ذاك ، فقال أبان : والله ما عرفنا فضلهم إلا باتباعهم إياه .(1)

وأما بالنسبة إلى الحادثة التاريخية :

ـ فالذي يظهر أن الامام الحسين عليه السلام لم يدع إلى الخروج معه من أول الأمر في المدينة ، وإنما دعى أهل بيته ، وبعض بني هاشم ، وكانوا خارجين في وجهة أمرهم تلك إلى المدينة ، ولذا فإن عددا كبيرا من الناس لم يدعهم الحسين عليه السلام إلى نصرته ، مع إلتقائه بهم ورؤيتهم له خارجا من المدينة . خصوصا أن خروج الامام عليه السلام من المدينة كان أمرا سريعا ، فبعد أن حصلت المواجهة الكلامية ليلا في قصر الامارة عند الوليد بن عتبة بين الامام الحسين وبين مروان بن الحكم ، وأعلن الامام موقفه الصريح ، لم يلبث إلا إلى نهار اليوم التالي حتى كان في طريق الخروج من المدينة إلى مكة ، وهذا بلا شك لم يكن ليتيح له فرصة كافية للدعوة إلى النصرة بنحو عام(2) .

بل إننا نجد أنه حتى حين خروج الحسين عليه السلام من مكة وقد تلاحقت الأحداث بنحو أكثر مما كانت في المدينة ، لم يدع الامام كل من لقيه لنصرته ، وللالتحاق به .

وربما كان بعضهم لم يربطوا بين خروجه وبين ضرورة نصرتهم إياه ، فقد مر عليه الفرزدق في التنعيم وسأله عن الناس هناك ، وغادره الفرزدق ولا يظهر في الحوار بينهما أثر لدعوة الحسين إياه ولا في فهمه للزوم نصر الحسين . وهكذا بشر بن غالب الذي قيل إنه سأل الحسين عن قول الله ( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) .. نعم في بعض الروايات نقل أنه دعا مثل عبد الله بن عمر فقال له في حواره إياه ( فاتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي ..) . ومثل عبيد الله بن الحر الجعفي الذي قال له في جملة كلام ( .. وأنت يا ابن الحر فاعلم أن الله عز وجل مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية ، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب ، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت ، فإن أعطينا حقنا حمدنا الله على ذلك وقبلناه ، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحق ) .

وهكذا يظهر أن دعوة الامام الحسين عليه السلام العامة مقرونة بتوضيح أنه ليس ذاهبا لأجل الغنائم ، وإنما للموت الذي ( خط على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ..) فمن كان يتوسم فيه ـ بحسب حكم الظاهر ـ حرصه على السعادة والشهادة كان يدعوه . تلك الدعوة إنما كانت بعد أن عزم على الخروج من مكة . وتواصلت عند توقفه في منازل الطريق .

وبلغت ذروتها بالوصول إلى كربلاء . فكان يدعو الآخرين إلى نصرته ، أو لا أقل الابتعاد عن الواقعة لو لم ينصروه ، فإنهم لو تركوا نصرته ، وهو يواجه القتل مع كونه الامام المفروض طاعته على الناس ، من يترك ذلك ( أكبه الله على منخريه في نار جهنم ) كما قال عليه السلام.

ثم إن بعض هؤلاء كانوا قد أبدوا صفحة عذرهم ، فقد اعتذر مثلا صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي بزمانة ( مرض مزمن مقعد ) رجليه ، وذلك عندما رجع الامام زين العابدين إلى المدينة مع عيال أبيه .

وقد قيل بالنسبة إلى محمد بن الحنفية أنه كان قد أبقاه الحسين عليه السلام ليكتب له ما يكون من أمر الحجاز ، كما أنه قيل أنه أيضا كان قد أصيب في بدنه بحيث لم يكن يستطيع القتال . وابن عباس كف بصره في أواخر عمره ولعله كان كذلك حين خرج الامام إلى العراق .



1 - رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب .

2 - ذكر المحقق المقرم رحمه الله في كتابه مقتل الحسين أن الحسين دعا عبد الله بن عمر لما جاءه مودعا حين خروجه من المدينة ، وقال له : اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي ! ولكن الصحيح أن هذا الحوار لم يجر في المدينة وإنما حين عزم الحسين على الخروج من مكة إلى العراق .
يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
04-02-2008, 11:07 PM
تابع

سؤال 36 : عن حميد بن مسلم ؟ من هو وما قيمة رواياته التاريخية فإننا نرى الكثير يعتمد عليه في سرد قضايا كربلاء . ألا يخل كونه في معسكر بني أمية بعدالته وبالتالي يفسد الاعتماد على رواياته ؟



الجواب: حميد بن مسلم الأزدي

شهد معركة كربلاء مع جيش عمر بن سعد . وكان يقوم فيها بما يشبه دور المؤرخ أو المراسل الصحفي ـ في هذه الأيام ـ .

بعد معركة كربلاء كان مع التوابين وخرج معهم ، ولم يؤثر عنه موقف قتالي مهم ، ثم عاد مع العائدين بعد أن حل الظلام ، واستشهد اكثر التوابين .

ظل مدة يتردد مع ابراهيم بن مالك الأشتر ـ القائد العسكري للمختار ـ على المختار ثم لم يلبث المختار أن أرسل إليه وإلى ثلاثة أشخاص آخرين لكي يؤتى بالأربعة ـ في ضمن حملته على قتلة الحسين وأصحابه ـ ، فأتي بالثلاثة الآخرين بينما استطاع حميد بن مسلم الفرار(1) .

وبقي إلى أيام سيطرة عبد الملك بن مروان على الحكم بعدما قتل المختار على يد أتباع مصعب بن الزبير ، وهُزم آل الزبير بيد أتباع الأمويين . حيث نلاحظ له قصيدة رثاء في حق عبد الرحمن بن مخنف ( الأزدي ) الذي قتل ـ وهو من قادة الحجاج الثقفي ـ في معركة مع الخوارج في حوالي سنة 75 هـ . وبعد هذه الأحداث لم يعرف خبره .

تتبع رواياته بحسب تاريخ الطبري :

قبل أن ننقل رواياته ، نسجل بعض النقاط العامة :

الأولى: يظهر من روايته خبر إرسال عبيد الله بن زياد شمر بن ذي الجوشن ومعه كتاب تصعيد الحصار على الحسين عليه السلام ، أن حميد بن مسلم لم يكن موجودا في كربلاء قبل يوم التاسع .(2)

وبناء عليه فيكون ما يروى عنه قبل هذا اليوم من أحداث كربلاء ، سواء في مسير الحسين أو نزول كربلاء ، غير تام لو كان يسنده إلى مشاهدته . أو أن يكون روايته لما جرى بين ابن زياد وشمر ، مرسلا بينما ظاهره أنه يعلم به مباشرة .

ويظهر بعد ذلك روايته مفصلة لأحداث كربلاء ، مثل تحرك الجيش بعد وصول شمر بالرسالة ، ويحتمل أن يكون حميد بن مسلم ممن ورد إلى كربلاء مع شمر بناء على هذا .

الثانية : إن عدد روايات حميد بن مسلم بالنسبة لمجموع روايات المقتل ، وما يرتبط به ، يعتبر قليلا نسبيا سواء من الناحية العددية أو الزمنية ، فمثلا ما ذكره الطبري من روايات المقتل وأطرافه عن أبي مخنف ، يقارب المائة رواية ، نصيب حميد بن مسلم فيها هو العُشر فقط .

وهذا يلقي بضوء على ما تصوره بعضهم من أن المقتل مروي في أكثره كما قالوا عن طريق حميد بن مسلم ، وقد كان في الطرف الآخر ، فكيف له بأن يعرف ما يجري فيه هذا إضافة إلى كونه معاديا ، ومحاربا لأهل البيت فكيف يعتمد عليه .

ونحن وإن أجبنا على سؤال بهذا المضمون في القسم الأول ، وقد تسلمنا هناك فرضا أنه من الرواة الأساسيين في الواقعة ، إلا أننا هنا مع الملاحظة المذكورة نرى أن نصيبه من روايات المقتل هو بهذا المقدار المذكور أي عشرة في المائة فقط .

ومن الناحية الزمنية ، فقد سبق أن ذكرنا أنه من المفروض أن حميدا لم يكن قبل التاسع من المحرم موجودا في كربلاء فلا يستطيع أن يروي مباشرة ما الذي حدث قبل ذلك اليوم ، ودائرة ( تغطيته الإعلامية المباشرة ) تبدأ من اليوم التاسع وتمر بالعاشر إلى العصر ، ثم إلى الكوفة لتنتهي ربما في اليوم الثالث عشر أو الرابع عشر . ولا تشمل ما بعد الكوفة ، ولا الشام فضلا عن العودة منها إلى كربلاء والمدينة .

الثالثة : إن روايات كربلاء فيما يرتبط منها بالمخيم الحسيني ، وما كان يدور فيه لا نجد فيها لحميد بن مسلم أثرا وهو واضح ، بل لو نقل أحد رواية بهذا المعنى فلا بد من النظر إليها بعين الشك ، إن كان ينقلها مباشرة ، وذلك لأنه كان في المعسكر الآخر ، وإنما كانت تلك الروايات كما يلحظ المتتبع لروايات أبي مخنف المنقولة في الطبري ، مروية عن الامام زين العابدين عليه السلام بواسطة ، أو عن الضحاك المشرقي ، أو عقبة بن سمعان أو عن من نجى من الواقعة حيا .

تتبع روايات حميد :

1- ما سبق أن ذكر آنفا : روايته لخبر إرسال عبيد الله بن زياد رسالة بيد الشمر لعمر بن سعد ، ووصول هذا يوم التاسع .

2- روايته خبر تحرك الجيش على أثر الرسالة المذكورة ، قال : وزحف عمر بن سعد نحوهم ثم نادى يا زويد أدن رايتك قال فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى فقال اشهدوا أني أول من رمى(3)

3- روايته لمصرع علي الأكبر عليه السلام قال ( أبو مخنف ) حدثنى سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال سماع أذني يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلىامرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عليها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

4- روايته مقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل وعون عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وجعفر ابن عقيل بن أبي طالب قتله .

5- روايته مقتل القاسم بن الحسن قال خرج الينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لاشدن عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه قال فقال والله لاشدن عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه فقال يا عماه قال فجلى الحسين كما يجلي الصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من حسين فاستقبلت عمرا بصدورها فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فتوطأته حتى مات وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه وحسين يقول بعد القوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ثم قال عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوت والله كثر واتره وقل ناصره ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الارض وقد وضع حسين صدره على صدره قال فقلت في نفسي ما يصنع به فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي ابن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهله بيته فسألت عن الغلام فقيل هو القاسم ابن الحسن بن علي بن أبي طالب .

6- روايته مصرع الحسين وسقوطه من ظهر فرسه ، واللحظات الأخيرة من حياته : ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه قال وإن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلا البرنس دما فقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين. . انتهى

وبحسب قرب الرجل من المصرع ، فقد استطاع أن ينقل تفاصيل اكثر عن الحسين عليه السلام في تلك اللحظات(4) .

7- رواية المآثر والمواقف ( الجيدة ) لنفسه : روى حميد بعض الحوادث ، مما يحسب له كمآثر ، ولذا يمكن التأمل قبل قبولها ، فمن جهة يُقرّب احتمال قبولها باعتبار أن تلك المواقف تستدعي الحالة الانسانية بغض النظر عن موقفه السياسي والديني ، خصوصا مع ملاحظة أن بعض من جاء إلى المعركة في الطرف الأموي لم يكن مؤمنا بها . ولذا فإنه لو استطاع في بعض المواقف التي تملي عليه فطرته الانسانية موقفا صحيحا ، فليس ذلك بالغريب بل هو مقتضى الفطرة .

وقد يُوجَّه ردها بأن أحدا لم يرويها غيره ، وأن هذا من باب أنه ( يجر النار إلى قرصه ) خصوصا بعد أن تكشفت المعركة عن الفجائع والمأساة ، وصار الجو العام معاديا للأمويين وللقتلة ، ولا سيما حين بدأ دور الاقتصاص منهم أيام المختار ، فكان من الطبيعي هنا أن ينكر البعض دوره السلبي ، ويصطنع له دورا إيجابيا ، دفاعا عن نفسه ، واكتسابا لحظوة ضمن الوضع الجديد .

* وعلي أي من التقديرين فقد نقل الطبري عنه ، أنه لما حاول شمر بن ذي الجوشن أن يقوض مخيم الحسين باشعال الحريق فيه ، قبل المصرع جاء إليه حميد بن مسلم وتكلم معه في ذلك :

قال أبو مخنف حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال قلت لشمر ابن ذي الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك !

فقال من أنت قال قلت لا أخبرك من أنا قال وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان قال فجاءه رجل كان أطوع له مني شبث بن ربعي فقال ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمرعبا للنساء صرت قال فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف .

ويروي هو بنفسه أيضا عن محاولته لثني عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي ( وحميد كان أزديا أيضا ) عن الهجوم على القاسم بن الحسن وقتله فيقول خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر في يده السيف عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها اليسرى فقال لى عمرو بن سعد بن نفيل الازدي والله لاشدن عليه فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم(5) قال فقال والله لأشدن عليه فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه(6)..

وهناك رواية أخرى يأتي بها في سياق مآثره ، وهي بالتالي خاضعة لما تقدم ذكره ، وهي دوره كما نقل في التأثير على شمر بن ذي الجوشن ، لإقناعه بترك قتل الامام السجاد بعد مصرع الحسين عليه السلام ، فعنه قال انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الاصغر وهو منبسط على فراش له وهو مريض وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون ألا نقتل هذا قال فقلت سبحان الله أنقتل الصبيان إنما هذا صبي قال فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد فقال ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم قال فوالله ما رد أحد شيئا قال فقال علي بن الحسين جزيت من رجل خيرا فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شرا(7) .

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
04-02-2008, 11:16 PM
تابع

8- روايته للحدث في اليوم الحادي عشر من الكوفة ، حينما نقل ما جرى بين زيد بن أرقم وبين عبيد الله بن زياد ، ووضعه الرأس بين يديه .وذلك أن عمر بن سعد قد أرسل حميد بن مسلم لإخبار أهله بسلامة بن سعد ، قال : دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم(8) بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكي فقال له ابن زياد أبكى الله عي*** فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك !
9- ثم أخيرا روايته لخبر دخول السبايا على ابن زياد وحواره مع زين العابدين عليه السلام . قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له ما اسمك قال أنا علي بن الحسين قال أولم يقتل الله علي بن الحسين فسكت فقال له ابن زياد مالك لا تتكلم قال قد كان لي أخ يقال له أيضا على فقتله الناس قال إن الله قد قتله قال فسكت علي فقال له مالك لا تتكلم قال الله يتوفى الانفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله .
محاولة ترسيم لشخصية حميد بن مسلم :
1- يظهر من التتبع العام لشخصية حميد بن مسلم أنه ليس رجل موقف بحيث يلتزم به فيحامي عنه ، ويضحي من أجله ، فهو مثلا يشهد كربلاء ولا يقاتل في أي من الصفين ولا يؤثر عنه فعل ، لا في هذا الجانب ولا في ذاك ، ثم يكون مع التوابين الذين ثاروا ضد بني أمية وحاولوا التكفير عن خذلانهم .. مع أن هؤلاء لم تتح لهم فرصة القتال مع الحسين عليه السلام ، لكون عدد منهم مسجونين ، أو ممن لم يستطيعوا الخروج من الكوفة (9) بينما كان هذا الرجل موجودا في المعركة ، وشهد تحول عدد من أنصار بني أمية إلى المعسكر الحسيني فلم يكن هناك شيء ليمنعه لو كان صاحب موقف .
ثم إنه حتى وهو يعد نفسه من الشيعة ، الذين خرجوا مع التوابين ، لم يعرف عنه أي موقف ، حتى برواية نفسه فضلا عن غيره . فهاهو يتحدث عن تحرك التوابين في أيامه الأولى(10) :
قال والله إنى لشاهد بهذا اليوم يوم ولوا سليمان بن صرد وإنا يومئذ لاكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره ، فتكلم سليمان بن صرد فشدد وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته بدأ فقال أثني على الله خيرا وأحمد آلاءه وبلاءه وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله أما بعد فإنى والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذى نكدت فيه المعيشة وعظمت قيه الرزية وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضا لنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والابناء حتى يرضى الله والله ما أظنه رضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت ...
ولم يكن له في تلك الموقعة أثر أو ذكر غير أنه كان يسعى بين المختار الثقفي وجماعة التوابين بالشحناء والفساد ، وهذا أمر كان في ذلك الوقت له نتائج مدمرة سواء كان يشعر به فاعله أو لم يكن .
فها هو يقول(11) : قلت لسليمان بن صرد إن المختار والله يثبط الناس عنك إنى كنت عنده أول ثلاث فسمعت نفرا من أصحابه يقولون قد كملنا ألفى رجل فقال وهب أن ذلك كان فأقام عنا عشرة آلاف !! أما هؤلاء بمؤمنين أما يخافون الله أما يذكرون الله وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن !!
2- وبناء على ما سبق فصداقاته لو صح ما نقل ونُقل عنه غير خاضعة لموقف ، إذ أنه تارة يتصور بصورة الشخص غير المعروف ، بل المجهول حتى اسما ، كما في حواره المذكور مع شمر بن ذي الجوشن الذي سأله عن اسمه فقال له : لا أخبرك . وبين كونه صديقا شخصيا لعمر بن سعد ، فقد روي عنه أنه قال : كان عمر بن سعد لي صديقا ، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين ، فسألته عن حاله ، فقال : لا تسأل عن حالي ، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بشر مما رجعت به ، قطعت القرابة القريبة ، وارتكبت الأمر العظيم(12).
وفي نفس الوقت هو يحشر نفسه مع التوابين ، ويعد نفسه ( من فرسان الشيعة ) ويصادق ابراهيم بن مالك الأشتر القائد العسكري للمختار ، والذي كان يكثر من الدخول به ( بحميد على المختار ) وإن كان ذلك لم ينفع في تبرئته من إثم المشاركة في كربلاء ، ولذا طلبه المختار فيمن طلب .
3- عاش حياته بطريقة الصحفي أو الاعلامي الذي يبحث عن الحوادث المتميزة ، ويرويها لغيره ، لم يكن صانع خبر ، وإنما متتبعا للأخبار ، وبالذات الأخبار شديدة الاثارة ، فهو في المقتل يفصل ما استطاع اللحظات الأخيرة ، بما فيها من إثارة للمستمع ، و( يستعرض ) ( سماع أذني من الحسين يوم قتل علي الأكبر ..) ، وهو يأتي ببعض الكرامات الحسينية سواء في المعركة أو بعدها ، لكن هل تؤثر فيه هذه لتعديل موقفه ؟ كلا إنما يكتفي منها بجانب الاثارة والنقل ، ففي الطبري ينقل عنه : .. ونازله عبد الله ابن أبى حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا فقال حسين اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال حميد بن مسلم والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه(13) .
1 - قال جاءنا السائب بن مالك الاشعري في خيل المختار فخرجت نحو عبد القيس وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في اثرى وشغلوا بالاحتباس عليهما عنى فنجوت واخذوهما ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب ابن عمرو ابن عم أعشى همدان من بني عبد فاخذوه فانتهوا بهم إلى المختار فأمر بهم فقتلوا في السوق فهؤلاء ثلاثة فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:

ألم ترنى على دهش = نجوت ولم أكد أنجو
رجاء الله أنقذني = ولم أك غيره أرجو .
عن الطبري 4- 530
2 - ( قال أبو مخنف ) فحدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال ثم إن عبيدالله بن زياد دعا شمر بن ذى الجوشن فقال له اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما وإن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له وأطع وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه .. الطبري 4
هذا ولكن يظهر من رواية أخرى نقلها الطبري أيضا ، أن مجيء الكتاب المذكور لعمر كان يوم السابع فهو ينقل عن أبي مخنف قال حدثنى سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم الازدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان ؟ ؟ عفان قال فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث - 312 . ويحتمل أن يكون ذيل هذه الرواية غير تام ، فإنه من المعروف بين المؤرخين أن الرسالة وصلت يوم التاسع بعد الظهر .
3 - وما بعدها من الروايات عن الطبري 4-326 ـ 350
4 - عن حميد بن مسلم قال كانت عليه جبة من خز وكان معتما وكان مخضوبا بالوسمة قال وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقى الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول أعلى قتلى تحاثون أما والله لا تقتلون بعدى عبدا من عباد الله الله أسخط عليكم لقتله منى وايم الله إنى لارجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لى منكم من حيث لا تشعرون أما والله ان لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الاليم قال ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس ان يقتلوه لفعلوا ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء قال فنادى شمر في الناس ويحكم ماذا تنظرون بالرجل اقتلوه ثكلتكم امهاتكم قال فحمل عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو قال وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ثم قال لخولي بن يزيد الاصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فأرعد فقال له سنان بن أنس فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولى بن يزيد وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف . الطبري 4 -346
5 - حال الرجل في متن فرسه ، أي وثب عليه ، عن معجم مقاييس اللغة .
6 - الطبري 4 - 341
7 - الطبري 4-347 وقد احتمل بعض المؤرخين أن يكون المختار قد عفا عن حميد بن مسلم بينما انتقم من قتلة الحسين فيما بعد في الكوفة ، واحتملوا أنه لأجل كونه قد دفع القتل عن السجاد !! ولكن هذا غير تام ، فإن المختار كما سيأتي قد طلب حميد بن مسلم ، ولكنه فر .. على أن هذا النص الذي يذكره فيه نقاش بأنه كيف يكون الامام السجاد عليه السلام في ذلك الوقت وعمره 22 سنة ( ولد سنة 38 هـ )، وكان له حينذاك ولد هو الباقر وعمره قرابة ثلاث سنين ، فكيف يكون والحال هذه صبيا ؟
8 - بعض الروايات التاريخية فيها أن عمر بن سعد قد أرسل خولى بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم ، ومعهما رأس الحسين عليه السلام ليخبرا ابن زياد بالنصر والفتح ، ولا نعلم هل كانت المهمة مشتركة أو أن خولى ذهب بالرأس ، بينما ذهب حميد إلى أهل عمر بن سعد .
9 - لما سيطر عبيد الله بن زياد على الكوفة ، اتخذ مجموعة اجراءات وفرض نظاما أشبه بالأحكام العسكرية وحالة الطوارئ ، فسجن عددا من زعماء الكوفة ، وطلب عددا آخر مما دعاهم إلى الاختفاء ، وفرض المسالح ( الدوريات العسكرية ) على بوابات الكوفة ، حتى أن ، عامر بن أبي سلامة الدلاني ، لم يستطع الخروج من الكوفة إلا بعد قتال زجر بن قيس الذي كان موكلا بإحدى بوابات الكوفة لمنع خروج الخارج ودخول الداخل . فقاتله إلى أن استطاع التخلص منه ووصل إلى كربلاء ( ورد اسمه في الشهداء في الزيارة باسم عمار بن أبي سلامة الهمداني ) .
10 - الطبري ج 4 ص 428
11 - الطبري ج 4 ص 452 .. مع أن تحفظ المختار على طريقة التوابين واسلوبهم في العمل الثوري ، كان واضحا ، فأولئك كانوا يعملون بمنطق المؤمنين الاستشهاديين الذين يعتبرون الشهادة غايتهم الكبرى ، بينما المختار كان يعمل بمنطق السياسي الواقعي الذي يخطط للانتصار ومن الطبيعي أن تختلف رؤى الطرفين بناء على ذلك . إلا أن المتاجرة بهذا الاختلاف وتحويله إلى حالة فرز اجتماعي ، ومواجهة سياسية أمر خطير ، لا سيما إذا كان من شخص كان للسنة الماضية ( مبعوث عمر بن سعد لتبشير أهله بسلامته ) !
12 - الأخبار الطوال للدينوري - 260
13 - الطبري ج 4 ص 312
يتبع
تحياتي المحايد

المحايد
06-02-2008, 07:31 PM
تابع

سؤال 37 : كم كان عدد الذين انتقلوا إلى معسكر الامام الحسين عليه السلام من الجيش الأموي ؟



الجواب: لا توجد إحصائية دقيقة (1) عن العدد وإن كانت هناك رواية ذكرها السيد بن طاووس ( ت 664 هـ ) في كتابه اللهوف ، تفيد أن عدد الذين انتقلوا إلى صف الحسين يبلغ اثنين وثلاثين ، بينما ذكر ابن نما الحلي ( ت 645 هـ ) في كتابه مثير الأحزان أنه جماعة من عسكر عمر بن سعد قد جاؤوا إليهم من دون تحديد عدد هذه الجماعة . و التتبع لروايات المقتل يفيد أن التالية أسماؤهم قد انتقلوا إلى المعسكر الحسيني :

1- الحر بن يزيد الرياحي ( التميمي اليربوعي ) : قائد الفرقة التي بعثها عبيد الله بن زياد لمحاصرة الحسين ومنعه من الوصول إلى الكوفة ، وقد انتقل إلى المعسكر الحسيني صباح اليوم العاشر قبل بدء المعركة وعلى أثر خطبة الامام الحسين عليه السلام .

2- علي ابن الحر الرياحي السابق ذكره .

3- غلام الحر وهو تركي وقد ذكره في مقتل الخوارزمي .

4- من الذين انتقلوا إلى الحسين عليه السلام رجل من خزيمة جاء رسولا من عمر بن سعد إلى الحسين ليبلغه رسالته ، فلم يرجع إلى عمر بن سعد وقال من الذي يختار النار على الجنة ؟(2)

5- جوين بن مالك بن قيس الضبعي ، ذكر أنه كان في جيش عمر بن سعد ثم انتقل إلى صفوف الامام الحسين عليه السلام ، وقتل في الحملة الأولى ، وقد ورد ذكره في زيارة الناحية المقدسة .(3)

6- الحارث بن امرئ القيس الكندي : لما رأى الحسين عليه السلام قد أحاط به جيش الكوفة التحق بركبه (4)

7- الحلاس بن عمر الراسبي(5) : سار هو وأخوه النعمان مع عمر بن سعد ثم تحولا إلى معسكر الحسين

8- النعمان بن عمر الراسبي ..المتقدم .

9- زهير بن سليم الأزدي لما رأى إصرار جيش الكوفة على مقاتلة الحسين عليه السلام اعتزل جيش عمر بن سعد ومال إلى معسكر الحسين واستشهد بين يديه(6).

10- عبد الله بن بشير(7) ( قيل فيه أنه يعد من مشاهير دعاة الحق وحماته ، كان في البداية ضمن جيش عمر بن سعد وقبل بدء القتال التحق بالامام الحسين واستشهد في الحملة الأولى قبل ظهر عاشوراء ) وبالنظر إلى ما تقدم يمكن التأمل في كونه من جيش عمر بن سعد ، بل يمكن الاحتمال أنه كان قد خرج مع الجيش لكي يتسلل من خلاله إلى معسكر الحسين خصوصا أن من كان يريد الخروج إلى الحسين لنصرته كان يمنع ويقاتل كما حصل لعامر الدلاني حيث قاتله زجر بن قيس على بوابة الكوفة عندما أراد الخروج لنصر الحسين .

11- مسعود بن الحجاج وابنه عبد الرحمن ، ورد ذكرهما في الزيارة ، وجاء في الأخبار أنهما خرجا مع جيش عمر بن سعد ، ولما وصلا كربلاء التحقا بالامام الحسين(8)

12- عبد الرحمن بن مسعود بن الحجاج المتقدم ذكره .

13- عمرو بن ضبيعة التميمي : قيل فيه كان فارسا شجاعا فلما رأى رد الشروط على الحسين وعدم تمكينهم إياه من الرجوع من حيث أتى انتقل إلى الحسين عليه السلام وورد ذكره في الزيارة(9) .

14- القاسم بن حبيب الأزدي : خرج مع جيش عمر بن سعد ، فلما بلغ كربلاء انفصل عنهم وانضم إلى جيش الحسين عليه السلام ونحتمل فيه ما احتملنا في عبد الله بن بشير من أن خروجه مع الجيش الأموي كان وسيلة للخروج من الكوفة والالتحاق بالحسين (10) .

15- يزيد أبو الشعثاء الكندي وكان شجاعا راميا وقد خرج مع الجيش الأموي فلما رآهم ردوا الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه(11).

وهناك بعض الشهداء لم يتسن لهم أن يصلوا إلى معسكر الحسين عليه السلام وإنما كانوا في وسط الجيش الأموي ، فحصل لهم ذلك التغير النفسي ، وطفقوا يضربون في جنود عمر بن سعد بأسيافهم ، فأقبل هؤلاء عليهم ، وحيث أنهم كانوا في وسط الجيش استطاعوا أن يقتلوهم بسرعة حيث لم يكن مجال للمناورة عند أولئك السعداء . وعدد هؤلاء لا نعرفه لكن توجد إشارات تاريخية إلى حصول مثل هذه الحادثة .مثل :

16- سعد بن الحرث و

17- أخوه أبو الحتوف ، كانا في الجيش الأموي فلما رأيا وحدة الحسين عليه السلام ، ورأيا ما حل بأصحابه ، مالا على الجيش بسيفيهما ، يضربان فيهم حتى قتلا . وقد ذكرهما الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب فقال :

ابو الحتوف بن الحارث بن سلمة الانصاري العجلاني نسبة إلى بني عجلان بطن من الخزرج . عن الحدائق الوردية في أئمة الزيدية : انه كان مع اخيه سعد في الكوفة ، ورأيهما رأي الخوارج ، فخرجا مع عمر بن سعد لحرب الحسين " ع " فلما كان اليوم العاشر وقتل اصحاب الحسين وجعل الحسين ينادي : ألا ناصر فينصرنا ، فسمعته النساء والاطفال فتصارخن ، وسمع سعد واخوه أبو الحتوف النداء من الحسين والصراخ من عياله ، قالا : إنا نقول لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصاه ، وهذا الحسين بن بنت نبينا محمد ونحن نرجو شفاعة جده يوم القيامة فكيف نقاتله وهو بهذا الحال لا ناصر له ولا معين ، فمالا بسيفيهما مع الحسين على اعدائه وجعلا يقاتلان قريبا منه حتى قتلا جمعا وجرحا آخر ثم قتلا معا في مكان واحد ، وختم لهما بالسعادة الابدية(12) .



1 - ذكر المرحوم آية الله شمس الدين في كتابه أنصار الحسين ما يلي )... رواية نقلها السيد بن طاووس في مقتله المسمى ( اللهوف على قتلى الطفوف ) وهي : ( . . وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة ( ليلة العاشر من المحرم ) ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد إثنان وثلاثون رجلا ) . إننا نقف من هذه الرواية موقف الشك : أولا : لان حدثا كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين ، فهو حدث شديد الاثارة في مثل الموقف الذي نبحثه ، ولهذا فقد كان لا بد أن ينقله رواة آخرون . إن عدم نقله عن رواة آخرين مباشرين يبعثنا على الشك في صدق الرواية . وثانيا : إن هذا العدد ( اثنان وثلاثون ) عدد كبير جدا بالنسبة إلى أصحاب الحسين ( ع ) القليلين ، ولذا فقد كان يجب أن يظهر لهم أثر في حجم القوة الصغيرة التي كانت مع الحسين في صبيحة اليوم العاشر من المحرم ، على اعتبار أنهم انحازوا إلى معسكر الحسين في مساء اليوم التاسع ، مع أننا لا نجد لهم أي أثر في التقديرات التي نقلها الرواة . لهذا وذاك نميل إلى استبعاد هذه الرواية من دائرة بحثنا في عدد أصحاب الحسين ( ع ) ، ونرجح أن الرواية - على تقدير صدقها - لا تعني ، كما يراد لها ، أن هؤلاء الرجال قد انحازوا إلى معسكر الحسين وقاتلوا معه ، وإنما تعني أن هؤلاء الرجال - نتيجة لصراع داخلي عنيف بين نداء الضمير الذي يدعوهم إلى الانحياز نحو الحسين والقتال معه ، وبين واقعهم النفسي المتخاذل الذي يدفع بهم إلى التمسك بالحياة الآمنة في ظل السلطة القائمة - قد ( حيدوا ) أنفسهم بالنسبة إلى المعركة ، فاعتزلوا معسكر السلطة ، ولم ينضووا إلى الثوار . ويبدو أنه قد حدثت حالات كثيرة من هذا القبيل ، منها حالة مسروق ابن وائل الحضرمي الذي كان يطمح إلى أن يصيب رأس الحسين ( فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد ) ، ولكنه تخلى عن القتال وترك الجيش عندما رأى ماحل بابن حوزة عندما دعا عليه الحسين ( ع ) ، وقال لمحدثه : ( لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا ) . وربما كان هؤلاء - على تقدير صدق الرواية - هم أولئك الرجال التافهون الذين قال الحصين بن عبد الرحمن عنهم أنهم كانوا وقوفا على التل يبكون ، ويقولون : ( اللهم أنزل نصرك ) . انتهى كلام المرحوم شمس الدين .

ويمكن التعليق على ما ذكر آنفا بعدم استبعاد هذا الرقم ، فإن الناظر في روايات المقتل كما تبين لك في المتن ، يرى أن نصف هذا العدد قد رصدت حركتهم لاقترانها بحدث ، ولم ترصد باقي الأسماء لسبب أو لآخر .. كما أن بعضهم كما يذكر المؤرخون قد مالوا على الجيش الأموي وهم فيه ، وقاتلوهم . ولعل استبعاد الشيخ شمس الدين ليس في محله لأنه مبني على أنه حدث وقع دفعة واحدة ، ولذلك قال أن حدثا كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين .. الخ .. وهو في غير محله فإن حالات التحول كانت فردية ، وامتدت من ليلة العاشر إلى يوم العاشر ، وتحول عدد ثلاثين من مجموع ثلاثين ألف لا يمكن أن يلفت الأنظار أصلا ، خصوصا أنه ضمن حالات فردية لا أن مجموع الثلاثين قد جاؤوا في صورة مجموعة للحسين . ولو كان اعتراض الشيخ شمس الدين على أن مجموعة اثنين وثلاثين شخصا قد عبروا في الليل مرة واحدة يضاف إلى ذلك أن عددا غير قليل من المذكورين في الشهداء في الزيارة لم يعرف كيفية شهادتهم ولا طريقة التحاقهم بالحسين ، ولا شك ان قسما من هؤلاء كانوا ممن التحق به في اليوم العاشر . إضافة إلى من ذكرت اسماؤهم كما في المتن .

وهؤلاء يختلفون عن القسم ( المحايد ) الذين ذكرهم ، والذين لم يكونوا بالعدد القليل .سواء أولئك الواقفين على التل ، أو غيرهم ممن لم يحب أن يشارك إلا بمقدار تكثير السواد من دون أن يكون له مساهمة فعلية في المعركة .

2 - كلمات الحسين - 381

3 - أنصار الحسين - 81

4 - قصة كربلاء - 282 نقلا عن أعيان الشيعة

5 - أنصار الحسين 85

6 - قصة كربلاء 284 نقلا عن أعيان الشيعة .

7 - قصة كربلاء 286 عن إبصار العين .

8 - قصة كربلاء 287

9 - قصة كربلاء عن تنقيح المقال للمامقاني .

10 - المصدر السابق 288

11 - المصدر السابق 300

12 - الكنى والألقاب 1 - 45

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
06-02-2008, 07:36 PM
تابع

سؤال 38 :عن من الذي أجهز على الامام الحسين عليه السلام ومن احتز رأسه ؟هل هو سنان أو شمر الضبابي ؟



الجواب: في البداية لا بد أن نشير إلى نقطة ، وهي أن بعض الأفعال لا يصح نسبتها إلا لفاعلها المباشر ، بينما يصح نسبة أفعال أخرى إلى متعددين : المباشر وغير المباشر .

مثال الأول : جلس ، وأكل ، ونام وغيرها ، فإنه لا يصح نسبة هذه الأفعال إلا لمن قام بها مباشرة . ومثال الثاني : بنى : فإنه يصح نسبة الفعل إلى دافع المال ، فيقال فلان بنى بيتا ، وبنى مسجدا ، ويصح نسبته إلى المقاول الذي قاد فريق العمال فيقال : إنه هو الذي بنى المسجد ، ويصح نسبته إلى العامل المباشر .

وفعل القتل هو من هذا القبيل : فإنه يصح إطلاقه على الآمر بالقتل ، ولذا يُتحدث في الروايات عن يزيد باعتبار أنه قاتل(1) الحسين عليه السلام مع أنه لم يكن الفاعل المباشر للقتل ، ويُعرف عبيد الله بن زياد بأنه قاتل(2) الحسين ، وأيضا يطلق على عمر بن سعد بن أبي وقاص أنه قاتل الحسين (3) .. وكل هذه الاطلاقات صحيحة . لما ذكرنا .

ولكن الكلام هو في من أجهز عليه (صلوات الله عليه) ، وباشر قتله لينال بذلك اللعنة المستمرة والعذاب المقيم . وهل أن الذي أجهز عليه هو الذي احتز رأسه فيما بعد أو يختلفان ؟ فمن المعلوم أن الامام سلام الله عليه لما وقع صريعا من ظهر فرسه ، وبقي على الأرض كانت القبائل تتحاشى قتله (4)، ولا تقدم عليه كما ذكر ذلك المؤرخون . إلى أن تقدم من كتبت عليه اللعنة والخزي .. وأكثر الروايات التاريخية ، يتردد فيها أحد أسماء الشؤم التالية باعتبار أن واحدا منها أو أكثر ، هو الذي لبس ثوب اللعنة الالهية :

1- خولى بن يزيد الاصبحي : فقد نسب القاضي المغربي في كتابه شرح الأخبار ، الفعل إلى خولى قائلا : وأجهز خولى بن يزيد الاصبحي بن حمير ، واحتز رأسه ، وأتى عبيدالله بن زياد ، فقال :

إملأ ركابي فضة وذهبا

إني قتلت السيد المحجبا

قتلت خير الناس أما وأبا ..

وكذا فعل ابن عساكر في ترجمة الامام الحسين عليه السلام فقال : قتله سنان بن أنس النخعي ، وأجهز عليه وحز رأسه ال***** خولى بن يزيد الاصبحي .. وكذا ذكر أحمد بن عبد الله الطبري في كتابه ذخائر العقبى فقال : أجهز عليه خولى بن يزيد الاصبحي من حمير حز رأسه وأتى بها عبيدالله بن زياد . ومثله ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : طعنه سنان في ترقوته واحتز رأسه خولى لا رضي الله عنهما .

2- سنان بن أنس النخعي : وأكثر الروايات تشير إلى أنه هو الذي احتز رأس الحسين عليه السلام ؛ فقد قال ابن عنبة في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : واختلف في الذي أجهز عليه فقيل شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله تعالى ، وقيل خولى بن يزيد الاصبحي ، والصحيح أنه سنان بن أنس النخعي وفى ذلك يقول الشاعر :


فأي رزية عدلت حسينا = غداة تبيره كفا سنان

كما ذكره الفضيل بن زبير الكوفي الاسدي (من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام) في كتابه ( تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام ) (5) فقال : الحسين بن علي ، ابن رسول الله صلوات الله عليهم . قتله سنان بن أنس النخعي ، وحمل راسه فجاء به خولى بن يزيد الاصبحي .

وذكره الشيخ المفيد(6) رضوان الله عليه في كتابه الاعتقادات باعتبار أنه قاتل الحسين عليه السلام ، وكذا المسعودي(7) فقال : وطعنه سنان بن أنس النخعي لعنه الله ثم نزل واحتز رأسه والسمعاني في الانساب . والطبري فقال : وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ثم قال لخولي بن يزيد الاصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فأُرعد فقال له سنان بن أنس فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولى بن يزيد(8). ، والطبري في المنتخب من ذيل المذيل أنه ( قال الحجاج من كان له بلاء فليقم فقام قوم فذكروا وقام سنان بن أنس فقال أنا قاتل الحسين عليه السلام فقال بلاء حسن ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه وذهب عقله فكان يأكل ويحدث مكانه) . ونسب الفعل إليه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ، فقال إنه احتز رأسه ودفعه إلى خولى . والسيد ابن طاووس في كتابه اللهوف(9) . وكذلك ذكره الشيخ عبد الله البحراني في كتابه العوالم فقال : وأقبل عدو الله سنان بن أنس الايادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين عليه السلام ، فقال بعضهم لبعض : ما تنظرون ؟ أريحوا الرجل ، فنزل سنان بن أنس الايادي لعنه الله وأخذ بلحية الحسين عليه السلام ، وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول : والله إني لأحتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وخير الناس اما وأبا . وهذا الخبر هو الذي نقله الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي (10) عن الامام الباقر عليه السلام ينسب فيه الفعل إلى سنان بن أنس . وقال ابن نما الحلي ( ت 645 هـ ) أن الذي حز رأسه سنان .

وذكره ابن الأثير في أسد الغابة باعتباره قاتل الحسين عليه السلام ، وكذا ابن حبان في كتاب الثقات فقال : الذي قتل الحسين بن علي هو سنان بن أنس .

3- شمر بن ذي الجوشن الضبابي : وقد ورد ذكره مخصوصا باللعن في زيارة عاشوراء على لسان الامام الباقر عليه السلام ـ إن تم السند ـ. ويحتمل(11) أنه هو المشار إليه في ما نقله بعضهم عن الحسين عليه السلام : كنا مع الحسين بنهري كربلاء ، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال : صدق الله ورسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كأني أنظر إلى *** أبقع يلغ في دماء أهل بيتي " وكان شمر قبحه الله أبرص .

كما ورد ذكره في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة : (....على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك ، مولغ(12) سيفه على نحرك ، قابض على شيبتك بيده ، ذابح لك بمهنده ، قد سكنت حواسك ، وخفيت أنفاسك ، ورفع على القنا رأسك.. ) .

وذكره الشيخ المفيد في الارشاد فقال : وبدر إليه خولى بن يزيد الاصبحي لعنه الله فنزل ليحتز رأسه فأُرعد ، فقال له شمر : فت الله في عضدك ، ما لك ترعد ؟ ونزل شمر إليه فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولى بن يزيد .

وقال محيي النووي في كتابه المجموع :والضبابي وهو بطن من كلاب منهم شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه السلام .

ذكر القندوزي في ينابيع المودة عن أبي مخنف (13) ( .. فأقبل الى شبث ، سنان بن أنس النخعي ، وكان كوسج اللحية قصيرا أبرص أشبه الخلق بالشمر اللعين فقال له : لِمَ ما قتلته ثكلتك أمك ؟ قال شبث : يا سنان إنه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله ( ص ) . ثم دنا منه سنان ، ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولى هاربا ، فأقبل الى سنان ، الشمرُ اللعين وقال له : ثكلتك أمك مالك رجعت عن قتله ؟ فقال : إنه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب ففزعت فلم أقدر على قتله .

فقال له الشمر ال***** : إنك جبان في الحرب ، فوالله ما كان أحد غيري أحق مني بقتل الحسين . ثم إنه ركب على صدره الشريف ، ووضع السيف في نحره ، وهم أن يذبحه ، ففتح عينيه في وجهه فقال له الحسين ( رضي الله عنه وأرضاه ) : يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيما ؟ فقال له الشمر : الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي . فقال له الحسين : أتعرفني يا شمر ؟ قال : نعم أنت الحسين بن علي ، وجدك رسول الله ، وأمك فاطمة الزهراء ، وأخوك الحسن . فقال : ويلك فإذا علمت ذلك فلم تقتلني ؟ قال : أريد بذلك الجائزة من يزيد . فقال له : يا ويلك أيما أحب اليك ، الجائزة من يزيد أم شفاعة جدي رسول الله ( ص ) ؟ فقال الشمر ال***** : دانق من جائزة يزيد أحب إلى الشمر من شفاعة جدك . فقال له الحسين ( رضي الله عنه وبلغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه ) : سألتك بالله أن تكشف لي بطنك ، فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب ، وشعره كشعر الخنازير . فقال الحسين ( ض ) : " الله اكبر لقد صدق جدي ( ص ) في قوله لأبي : يا علي إن ولدك الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير " . فقال الشمر اللعين : تشبهني بالكلاب والخنازير ، فوالله لاذبحنك من قفاك . ثم إن ال***** قطع الرأس الشريف المبارك ، وكلما قطع منه عضوا يقول : " يا جداه ، يا محمداه يا أبا القاسماه ، ويا أبتاه يا علياه ، يا أماه يا فاطماه ، أقتل مظلوما ، وأذبح عطشانا ، وأموت غريبا "

****

بعد التعرض إلى الأقوال ، يمكن لنا أن نذكر ملاحظات لعلها تلقي بضوء على الإجابة ، ونترك المجال للقارئ أيضا لكي يتأمل ، ويكون صورة عن الحادثة :

الملاحظة الأولى : أنه لا بد من التفريق بين ( قتله ) و ( احتز رأسه ) مع أن هاتين الكلمتين أحيانا يذكران في سياق معنى واحد ، ولذا فإن الرواة الذين نقلوا الصورة التفصيلية فرقوا بين من ( قتله ) ومن ( احتز رأسه ) . فإن ( حز الرأس ) عادة ما يكون بعد القتل ، فإن طبيعة عمل المجرمين ذلك أنهم يريدون أن يهدوا أمراءهم رؤوس أعدائهم كما فعل أتباع معاوية برأس عمرو بن الحمق الخزاعي رضوان الله عليه ، للتقرب لهم وللحصول على جوائزهم ، وأيضا لإضعاف الروح المعنوية لأتباعهم ، وهم في هذا حتى يحتزون رأس الميت لهذا الغرض ، أو يقتلون شخصا آخر للتلبيس على الأتباع بأن المقتول هو قائدهم(14).

والتركيز على الفرق بين الأمرين مهم جدا ، ويرفع الكثير من الابهام عن الصورة الحقيقية . فقد ترى نفس الشخص يروي بأن شمرا هو الذي قتل الحسين ، وفي مكان آخر يقول إن الذي حز رأسه هو سنان ، فيتصور الناظر لأول وهلة أن كلامه متخالف ، بينما التدقيق في المسألة بناء على الفرق بين ( القتل ) و ( حز الرأس ) ينفي ذلك .

الملاحظة الثانية : أننا نعتقد أن الروايات القائلة بأن خولى بن يزيد الأصبحي هو الذي قتل الحسين أو احتز رأسه ليست قريبة من الواقع ، ونعتقد أن الذين ذكروها قد اعتمدوا أساسا على الشعر الذي قاله هذا الآثم أمام أميره وهو يحمل الرأس ، طمعا في الجائزة :

إملأ ركابي فضة أو ذهبا

إني قتلت السيد المحجبـا

قتلت خير الناس أماً وأباً(15)

وأول ما في ذلك أن هذه الأبيات أيضا نسبت لسنان بن أنس النخعي ، ولو صحت نسبة الأبيات له فالصورة التي يمكن رسمها من خلال ما ذكر عن تـأريخ هذا الرجل هي صورة الرجل المعتوه الذي لا يقدّر ولا يعرف حتى كيفية طلب الجائزة من أعداء القتيل وهم قادته !! فإن من يريد جائزة من عمر بن سعد أو من ابن زياد أو يزيد لا يصح أن يتوسل في ذلك بمدح عدوهم بأنه خير الناس أماً وأباً ، وأنه السيد المحجب !! ولذا قيل أنه قد منع من العطاء ورُد بقولهم : إن علمت أنه خير الناس أما وأبا فلمَ قتلتَه ؟

وفي الوقت الذي كانت سائر القبائل والأفراد يتحامون عن قتله ويترددون في ذلك لكيلا ينسب الفعل إليهم ، يقوم هذا الرجل بالافتخار بذلك ، مع العلم أنه لم يفعل ! مما يعطينا صورة عن شخص أقرب إلى العته منه إلى الشخص السوي !

والظاهر ـ والله العالم ـ أن الحسين عليه السلام بعدما قُتل ، وحز رأسه ، أعطي هذا الرجل رأسه لكي يحمله إلى ابن زياد كما هو الثابت أنه حمله فيما بعد وانطلق به إلى الكوفة بعد المعركة ( مشتركا مع حميد بن مسلم الأزدي أو أن هذا في مهمة حمل الرأس وذاك في مهمة إخبار عائلة عمر بن سعد عن سلامته !) . ويشهد له أن أكثر من رواية تفيد أنه بدر إليه خولى فأُرعد ( أصابته الرعدة من الخوف ) فتراجع . وأيضا ما ذكره أكثر من مصدر أنه قد دفع إليه الرأس(16). إضافة إلى أنه لم يأت له ذكر في أي من الأخبار ـ مهما كانت أسانيدها ـ المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام باعتباره القاتل .



يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
06-02-2008, 07:42 PM
تابع

الملاحظة الثالثة : يبقى الاحتمال دائرا بين شمر بن ذي الجوشن وبين سنان بن أنس النخعي ، وبالنسبة إلى الثاني فإن أكثر الروايات التاريخية تتحدث عن أنه قتل الامام ، أو احتز رأسه ، بينما تتحدث الروايات المنسوبة لأهل البيت المعصومين عليهم السلام عن أن القاتل شمر وأنه هو الذابح .

ويحتمل أن يكون القاتل هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي ، وأن الذي احتز رأسه فيما بعد القتل هو سنان بن أنس ، ويمكن الاستشهاد لهذا بعدة أمور :

ـ ما ذكر في أكثر من رواية تاريخية أن شمر بن ذي الجوشن أمر أن ينزلوا إليه وأنهم ما ذا ينتظرون به ، فنزل إليه سنان فأرعد وخاف وتراجع ( وبعضها يفصل أنه نظر إلى عينيه فرأى فيهما عيني علي ابن أبي طالب أو عيني النبي صلى الله عليه وآله ) فاكتفى من ذلك بأن طعن الامام الحسين عليه السلام بالرمح ، ثم ولى خائفا ، فتولى شمر أمر قتله ، ثم بعد أن قتل الشمر الحسين عليه السلام وأجهز عليه ، لم يبق المانع الذي منع سنان قبلئذ ، فاحتز رأسه .

ـ يظهر من روايات أخرى أن سنانا هذا كان حريصا على أن ( يحوز ) برأس الحسين عليه السلام مهما كلف الأمر ، ولعل شمرا الذي كان يهمه فقط إنهاء المعركة منتصرا !! وفي وقت سريع ولذا لم يتحمل تردد البعض ، فصاح بهم ماذا تنتظرون ؟ ولم يكن همه في رأس الحسين ، قد التقت رغبته مع رغبة سنان الذي كان يهمه فقط أن يظفر برأس الحسين(17) ، إما ليفتخر به أو ليحصل على الجائزة هذا بناء على أنه هو قائل الأبيات المذكورة ( إملأ ركابي .. )(18) .

وإذا أعدنا إلى الذكر ما سبق من التفريق بين القتل وحز الرأس ، وأنه يظهر أن الذي حصل شيئان مختلفان قد قام بكل جريمة منهما شخص يختلف عن الآخر ، أمكن لنا تصوير الجمع بين ما هو في الروايات التاريخية ، وما ورد في بعض المرويات المنسوبة(19) لأهل البيت عليهم السلام

ـ أن اختصاص شمر بن ذي الجوشن في زيارة عاشوراء باللعن ( إضافة إلى يزيد وابن زياد وعمر بن سعد ـ وهم من يمكن أن ينسب إليهم القتل لأمر الأولين وقيادة الثالث كما ذكرنا في البداية من صحة نسبة بعض الأفعال لمتعددين مع أن المباشر له واحد ـ ) ، هذا الاختصاص لا مبرر له غير دوره الاستثنائي في هذه الجريمة ، وهو القتل وإزهاق روح الامام المعصوم صلوات الله عليه , الأمر الذي ذكر في زيارة الناحية .. والحد المذكور في زيارة الناحية وهي الأكثر تفصيلا في هذه الجهة من عاشوراء ، أنه ( جالس على صدرك ، مولع ( مولغ )(20) سيفه على نحرك ، قابض على شيبتك بيده ، ذابح لك بمهنده ..) وهذه لا تفي بمعنى أكثر من القتل. والذبح يمكن حصوله من دون حز الرأس بكامله .

ولم يذكر سنان بن أنس في روايات أهل البيت ، غير الرواية التي وردت في الأمالي ويظهر فيها أن سنان كان مستقلا بأمر القتل بتمامه دون شمر ، وهو مخالف للمشهور من أن شمرا كان له دور أساس في القتل ..

وهناك ملاحظة أخيرة وهي احتمال حصول الاشتباه عند بعض ناقلي الخبر لا سيما ممن كان حاضرا ، بين الشمر وسنان ، فإن الأخير كان شديد الشبه(21) بالأول من ناحية الشكل كما ذكروا .

والمسألة غير محسومة عندي ، وتحتاج إلى مزيد بحث ، وإن كان ما سبق ذكره من أن القاتل هو شمر لما ورد في الزيارتين ، وأن مَن حز الرأس بعد القتل ـ طلبا للجائزة ـ هو سنان لما ذكر في أكثر المصادر التاريخية ، هو الأقرب (22)لكنه مخالف لما عليه المشهور لدى أهل المنبر والمتحدثين في السيرة ، والله العالم .



1 - في رواية معتبرة في الكافي عن الامام الصادق عليه السلام يتحدث عن شرار الخلق الذين ابتلي بهم خيار الخلق : .. ويزيد بن معاوية لعنه الله قاتل الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وعاداه حتى قتله ..

2 - لما تواقف التوابون مع جيش عبيد الله بن زياد ، خطب قادة التوابين في أصحابهم وقالوا : هذا عبيد الله بن زياد بن مرجانة قاتل أبي عبد الله الحسين أمامكم ..

3 - ذكر السيد الشهرستاني في هامش كتابه وضوء النبي ج 2 أن يحيى بن سعيد قد حدّث عن عمر بن سعد !! فقال له رجل : أما تخاف الله ..تروي عن عمر بن سعد ؟ فبكى ، وقال : لا أعود يا أبا سعيد ، هذا قاتل الحسين ، أعن قاتل الحسين تحدثنا ؟ انظر تهذيب الكمال 21 : 257 و تقريب التهذيب 2 : 56 ( العجيب أن يحيى بن سعيد هذا قد تكلم في الامام الصادق ـ أي لم يقبل الرواية عنه عليه السلام !! ) .

4 - في تاريخ الطبري ج 4 : قال ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس ان يقتلوه لفعلوا ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء .. وفي موضع آخر ذكر ـ وغيره من المؤرخين ـ أنهم توقفوا إلى أن قال لهم شمر ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟

5 - نشر في مجلة تراثنا العدد 2 بتحقيق العلامة السيد محمد رضا الحسيني

6 - في بعض كتب الشيخ المفيد يظهر منه أنه الشمر كما في الارشاد ج 2 ، قال : ويدر إليه خولي بن يزيد الاصبحي لعنه الله فنزل ليحتز رأسه فأرعد ، فقال له شمر : فت الله في عضدك ، ما لك ترعد ؟ ونزل شمر إليه فذبحه .

7 - مروج الذهب - 3

8 - تاريخ الطبري 4- 346

9 - قال في اللهوف : ( .. وجعل ينوء ويكبو فطعنه سنان ابن أنس النخعي في ترقوته ثم أنتزع الرمح فطعنه في بوانى صدره ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام وجلس قاعدا فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا فكلما امتلاتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول هكذا القى الله مخضبا بدمى مغصوبا علي حقي ، فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه : إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه قال فبدر إليه خولى ابن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه فأرعد فنزل إليه سنان بن أنس النخعي ( لع ) فضرب بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول والله إنى لأجتز رأسك وأعلم إنك ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخير الناس أبا وأما ، ثم أجتز رأسه المقدس المعظم وفى ذلك يقول الشاعر :


فأى رزية عدلت حسينا = غداة تبيره كفا سنان
10 - محمد بن علي بن الحسين ابن موسى بن بابويه قال حدثنا محمد بن عمر البغدادي الحافظ ( رحمه الله ) ، قال : حدثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ ، قال : حدثتني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبي إسحاق وكانت عمتي ، قالت : حدثتني صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمتي ، قالت : حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي ، عن خالها عبد الله بن منصور وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي ( عليه السلام ) ، قال : سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) ، فقلت : حدثني عن مقتل ابن رسول ........

11 - البداية والنهاية ج 8 لابن كثير : نقول ذلك على نحو الاحتمال ، لإنه يمكن أن تكون الرواية ـ على فرض صدورها ـ ناظرة إلى القتل ، بمعنى ازهاق الروح ، دون احتزاز الرأس ، هذا إضافة إلى أنهم نقلوا أيضا أن سنان بن أنس كان أيضا أبرس وشبيها بشمر بن ذي الجوشن .

12 - يلاحظ في هذه الزيارة التطابق بين ( مولغ سيفه على نحرك ) وبين ما نقل عن الرسول قبله : ( *** أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ) .. هذا بناء على أن ما في الزيارة هو ( مولغ ) بالمعجمة لا ( مولع ) بالمهملة .

13 - العجيب أن القندوزي يروي عن أبي مخنف ما ينتهي إلى أن القاتل هو شمر بن ذي الجوشن ، بينما ينقل الطبري أيضا عن أبي مخنف نفسه ( عن الصقعب بن زهير عن حميد بن مسلم ) أن القاتل هو سنان بن أنس . مع بُعد الواسطة بين القندوزي الذي توفي في 1294 هـ وبين أبي مخنف . وهذه الرواية بهذا النحو مع أنها الأشهر بين قراء التعزية إلا أنها لم تذكر في مصدر من المصادر الأساسية عند الطائفة حتى مثل بحار الأنوار الذي دأب صاحبه على جمع الأخبار مع غض النظر عن قيمتها السندية . نعم ذكرها فخر الدين الطريحي ( ت 1085 هـ ) في المنتخب ولعل القندوزي نقل الحادثة منه .

14 - تاريخ الطبري - الطبري ج 6 ص 179 :

كان محمد بن عبد الله ابن عمرو محبوسا عند أبى جعفر وهو يعلم براءته حتى كتب إليه أبو عون من خراسان أخبر أمير المؤمنين أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني وطال عليهم أمر محمد ابن عبد الله فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمد بن عبد الله بن عمرو فضربت عنقه وأرسل برأسه إلى خراسان وأقسم لهم أنه رأس محمد بن عبد الله !! وأن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

15 - البعض ذكر أن سنان بن أنس هو الذي كان ينشد هذه الأبيات .

16 - تاريخ الطبري ج 4 ص 348 :

.. وما هو إلا أن قتل الحسين فسرح برأسه من يومه ذلك مع خولى بن يزيد وحميد بن مسلم الازدي إلى عبيدالله بن زياد فأقبل به خولى فأراد القصر فوجد باب القصر مغلقا فأتى منزله فوضعه تحت اجانة في منزله وله امرأتان امرأة من بنى أسد والاخرى من الحضرميين يقال لها النوار ابنة مالك بن عقرب وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية قال هشام فحدثني أبى عن النوار بنت مالك قالت أقبل خولى برأس الحسين فوضعه تحت اجانة في الدار ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه فقلت له ما الخبر ما عندك قال جئتك بغنى الدهر هذا رأس الحسين معك في الدار قالت فقلت ويلك جاء الناس بالذهب والفصة وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا قالت فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار فدعا الاسدية فأدخلها إليه وجلست أنظر قالت فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الاجانة ورأيت طيرا بيضا ترفوف حولها قال فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيدالله ابن زياد ..

17 - تاريخ الطبري - الطبري ج 4 ص 346 : ( قال أبو مخنف ) عن جعفر ابن محمد بن على قال وجد بالحسين عليه السلام حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة .. قال وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلا شد عليه مخافة أن يغلب على رأسه حتى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولى ..

18 - ذكر ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 : وقيل أن سنان بن أنس لما قتله قال له الناس : قتلت الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ، أعظم العرب خطرا أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فلو أعكوك بيوت أموالهم لكان قليلا !! فأقبل على فرسه وكان شجاعا به لوثة فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد وأنشد الأبيات المذكورة ، فقال عمر : أشهد أنك مجنون ! وحذفه بقضيب ، وقال أتتكلم بهذا الكلام ؟ والله لو سمعه ابن زياد لقتلك !!

19 - نقول المنسوبة للتوقف في تصحيح أسانيدها ، وإن عمل بها جمع غير قليل من العلماء ، وإلا لو كانت صحيحة السند أو تم الوثوق بصدورها ـ على المسلك الآخر ـ لكنا لا نتوقف في تقديمها على ما عداها ، لكونها عن أهل البيت عليهم السلام ،والذين هم أدرى بما جرى على جدهم الحسين عليه السلام .

20 - أولع بالشيء : أغري به ، ولهج به .. وأولغ : ال***َ صاحبه : جعله يشرب .

21 - ذكر القندوزي في ينابيع المودة عند حديثه عن سنان بن أنس أنه كان كوسج اللحية قصيرا أبرص أشبه الخلق بالشمر اللعين .

22 - نُقل أن الخطيب المعروف الشيخ الوائلي حفظه الله يرى أيضا نفس النتيجة المذكورة ، وقد سمعه أحدهم يقول ذلك في حديث خاص ، ولكنه لا يعلنها على المنبر لاصطدامه بما هو المألوف عند المستمع !!

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
06-02-2008, 07:46 PM
تابع

سؤال 39 : كيف يتم التوفيق بين ما ورد من استحباب الاغتسال والتطيب لزيارة الحسين عليه السلام كما فعل جابر بن عبد الله حيث اغتسل ، ونثر على نفسه صرة صعد ، وبين ما ورد أنه يزور الزائر أشعث أغبر ؟



الجواب: في البداية ينبغي أن يقال أن عمل جابر ليس فيه دلالة على الاستحباب ، إذا لم نعلم استناده فيه إلى قول المعصوم . ولكن أصل القضية فيها صنفان من الروايات الواردة عن أهل البيت فمنها ما يدل بظاهره على أن الاستحباب هو أن يكون الزائر حين الزيارة أشعث أغبر معللا في بعضها بأن الحسين قد قتل على تلك الحال : مثل :

ما روه في كامل الزيارات (1) عن ابي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : إذا أردت زيارة الحسين ( عليه السلام ) فزره وأنت كئيب حزين مكروب ، شعث مغبر ، جائع عطشان ، فان الحسين قتل حزينا مكروبا شعثا مغبرا جائعا عطشانا ، وسله الحوائج ، وانصرف عنه ولا تتخذه وطنا ..

وبهذا الاسناد عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن عمر ، عن صالح بن السندي الجمال ، عمن ذكره ، عن كرام بن عمرو(2) ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) لكرام : إذا أردت انت قبر الحسين ( عليه السلام ) فزره وأنت كئيب حزين شعث مغبر ، فان الحسين ( عليه السلام ) قتل وهو كئيب حزين ، شعث مغبر جائع عطشان .

وفي بعض الروايات الأخرى أنه يأتي إلى الزيارة حافيا : مثلما رواه أيضا في كامل الزيارات (3)عن الصادق عليه السلام: من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ، ومحى عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة ، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك ، وامش حافيا ، وامش مشي العبد الذليل ، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعا ، ثم امش قليلا ، ثم كبر أربعا ، ثم ائت رأسه فقف عليه فكبر أربعا ، وصل عنده وسل الله حاجتك .

وفي المقابل ما يظهر من روايات أخر أنه يأتي مغتسلا لابسا نظيف الثياب :

فمنها ما رواه في الكافي (4) :

عن الحسين بن ثوير قال : كنت أنا ويونس بن ظبيان عند أبي عبد الله عليه السلام وكان أكبرنا سنا - إلى أن قال : - فقال : إذا أردت زيارة الحسين كيف أصنع وكيف أقول ؟ قال : إذا أتيت أبا عبد الله عليه السلام فاغتسل على شاطئ الفرات والبس ثيابك الطاهرة ، ثم امش حافيا فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتمجيد ...

وما رواه أيضا في الكامل(5) عن الصادق عليه السلام عندما سئل عما يلزم للذاهب إلى زيارة الحسين عليه السلام (.. يلزمك حسن الصحبة لمن صحبك ، ويلزمك قلة الكلام إلا بخير ، ويلزمك كثرة ذكر الله ، ويلزمك نظافة الثياب ، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحائر..).

وهنا ينبغي التأمل في هاتين الطائفتين :

* فالمفردات الواردة فيها : الاحتفاء ( المشي حافيا ) والاغتسال ، والتشعث ، والتغبر ، ونظافة الثياب ، والكون على سكينة ووقار .

ولا يوجد تعارض بين الاغتسال وكل من الاحتفاء ونظافة الثياب ، والكون على سكينة ووقار ، وإنما قد يبدو التعارض بين الاغتسال ( ومعه نظافة الثياب ) وبين التشعث والتغبر

وهنا قد يمكن القول بأن معنى المراد في هذه الروايات من : الأشعث والأغبر ، أنه ما كان في مقابل التدهين والاكتحال والتزين ، وحينئذ لا ينافي الاغتسال ، وشاهد ذلك ما ورد في المحرم ، فإنه يستحب أن يكون أشعث أغبر ، ومع ذلك يستحب له الاغتسال غسل الإحرام ، فهو يغتسل للاستحباب ، ولكنه لا يكتحل ، ولا يتزين ولا يتطيب ، وربما يؤيد هذا رواية(6) عن أبي عبد الله عليه السلام ( .. فإذا أردت المشي إليه فاغتسل ولا تطيب ولا تدهن ولا تكتحل حتى تأتي القبر .. ) .

ويظهر ـ والله العالم ـ أن الأئمة عليهم السلام لم يكونوا يريدون أن تتحول الزيارة إلى نوع من النزهة والتفرج ، واللهو مما ينافي الغرض من الزيارة التي تهدف إلى تذكر مواقف الحسين عليه السلام وما جرى عليه من مآس ومعاناة ، ومعرفة حقه وتجديد العهد معه للسير على نهجه وطريقه ، فإذا فُرّغت الزيارة من محتواها ومضمونها ذاك ، أصبحت أقرب إلى التلهي منها إلى تحقيق أهداف الزيارة.. ففي رواية عن الصادق عليه السلام : إن قوما إذا زاروا الحسين بن علي حملوا معهم السُّفر فيها الحلاوة والأخبصة(7) وأشباهه لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك(8).

وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام : تزورون خير من أن لا تزورون ، ولا تزورون خير من أن تزورون ، قلت : قطعت ظهري ، قال : تالله إن أحدكم يخرج إلى قبر أبيه كئيبا حزينا وتأتونه انتم بالسُّفر ؟! كلا ..حتى تأتونه شعثا غبرا(9) .

ولعل هذا المعنى هو الذي يستفاد من العنوان الذي عنون به صاحب الوسائل الباب المذكور فرأى أنه ينبغي أن يكون الزائر ملازما للحزن : - باب انه يستحب لمن أراد زيارة الحسين عليه السلام أن يصوم ثلاثا آخرها الجمعة ، ثم يغتسل ليلتها ويخرج على غسل تاركا للدهن والطيب والزاد الطيب ملازما للحزن والشعث والجوع والعطش ولا يتخذه وطنا .

ويحتمل الحمل على التخيير ، بين الحالتين . كما أن بعض الفقهاء أيدهم الله قد احتملوا الحمل على اختلاف الزيارات ، فالمطلوب في زيارة عاشوراء هو ما ذكر من التشعث ، والتغبر .. الخ وربما يكونوا قد استفادوا في ذلك من التعليل الموجود في ذيل بعض هذه الروايات ، فإن الحسين قد قتل وهو َشِعث مغبر .. بينما في سائر الزيارات ، الاستحباب هو للاغتسال ولبس نظيف الثياب . ولم أجد ـ في مقدار ما نظرت ـ اختصاص زيارة عاشوراء بعنوانها بالتشعث والتغبر حتى يجمع بين الطائفتين بحمل هذه الروايات على خصوص زيارة عاشوراء . والله العالم.

1 - جعفر بن محمد بن قولويه حدثني ابي واخي وعلي بن الحسين وغيرهم رحمهم الله ، عن سعد بن عبد الله بن ابي خلف ، عن احمد بن محمد بن عيسى الاشعري ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله .. ( رجال السند حتى علي بن الحكم إماميون ثقات ) لكنها مرسلة ( أو مجهولة ) .

2 - والسند المذكور فيه موسى بن عمر وهو مردد بين ( ابن بزيع الثقة ) وبين ( ابن يزيد الصيقل ولم يوثق لكنه ممن لم يستثن من رجال نوادر الحكمة ) ، وفيه صالح بن السندي الجمال ولم يوثق لكنه أيضا من رجال كتاب نوادر الحكمة . وفيه كرام بن عمرو وهو واقفي لا توثيق له ، لكن روى عنه المشايخ الثقات الذين قيل إنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة . والحديث مرسل . لكن هذه الرواية وما بعدها مشمولة لقاعدة التسامح في أدلة السنن . .الروايات من وسائل الشيعة ج 14 باب 71 جملة ما يستحب للزائر.

3 - جعفر بن محمد بن قولويه عن علي بن الحسين بن بابويه وجماعة عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن على بن عبد الله بن المغيرة ، عن العباس بن عامر ، عن جابر المكفوف ، عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول... - السند إلى العباس بن عامر لا غبار عليه ، لكن جابر المكفوف ( الكوفي ) لم يوثق ، ومثله أبو الصامت الحلواني . وعلى أي حال هذه الرواية وما بعدها مشمولة لقاعدة التسامح .

4 - محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد : والقاسم بن يحيى لم يوثق توثيقا خاصا لكنه ممن لم يستثن من رجال نوادر الحكمة ، فيكون على المبنى مقبول الرواية ، وكذا هو من رجال مزار بن المشهدي ، والكلام فيه كسابقه ، لو أمكن رد إشكال بعض الأعلام من كونه أي بن المشهدي من المتأخرين ، فيكون توثيقه غير معتبر لكونه اجتهاديا ، هذا ولكن قد نقل في جامع الرواة عن خلاصة العلامة أنه يضعفه . والكلام فيه كالكلام في سابقه من حيث أن تضعيف العلامة ـ عند البعض ـ كتوثيقه يعتبر اجتهاديا . والحسن بن راشد مشترك بين اثنين : ثقة من أصحاب الجواد ، وضعيف من أصحاب الصادق ـ كما عن ابن الغضائري ـ لكن قد شكك الرجاليون في نسبة كل ما هو موجود في الكتاب للشيخ بن الغضائري . والحسين بن ثوير ثقة .

5 - جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن علي بن محمد بن سالم ، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حماد ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم ، عن مدلج ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله ... - وفي السند مدلج ولم يوثق ، وعبد الله بن عبد الرحمن الأصم وهو ضعيف وعلي بن محمد بن سالم وهو أيضا مجهول إلا أن يكون سالم محرف سليمان كما احتمل السيد الخوئي . فالرواية ضعيفة .

6 - محمد بن الحسن بإسناده عن أبي طالب الانباري عبد ( عبيد ) الله بن أحمد ، عن الاحنف بن علي ، عن ابن مسعدة ، عن إسماعيل بن مهران ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير .. وفي السند الأحنف بن علي ولم يوثق ، وابن مسعدة وهو كذلك ، وعبد الله بن عبد الرحمن ويظهر أنه الأصم سابق الذكر ، وله كتاب المزار ، وفيه تخليط وغلو كما ذكروا إضافة إلى ضعف الرجل .

7 - السُّفر جمع سفرة ، والأخبصة جمع خبيص أو خبيصة نوع من الحلواء .

8 - جعفر بن محمد بن قولويه عن الحكيم بن داود ، عن سلمة بن الخطاب ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابنا قال .. - السند فيه الحكيم بن داود وهو لم يوثق توثيقا خاصا لكنه من مشايخ صاحب كامل الزيارات ، وسلمة ضعيف في الحديث ، والرواية مرسلة .

9 - عن محمد بن الحسن ، عن الحسن بن علي بن مهزيار ، عن الحسين بن سعيد ، عن زرعة بن محمد ، عن المفضل بن عمر قال..

يتبع

تحياتي المحايد

المحايد
06-02-2008, 07:52 PM
تابع

سؤال 40 : هل كان أبو الفضل العباس ناسيا لعطش الحسين عليه السلام عندما اقتحم نهر الفرات ، ( فتذكر ) عطش الحسين عليه السلام لما أراد الشرب ؟ و ألم يكن المناسب أن يشرب الماء لكي يتقوى على قتال الأعداء ؟ أو كان يجب عليه الشرب لكي يحافظ على نفسه من الهلاك ؟



الجواب: أصل الخبر هو ما ورد في مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي(1) كما نقل : (.. فقال له الحسين ( ع ) . ان عزمت فاستسق لنا ماءا ، فاخذ قربته وحمل على القوم حتى ملأ القربة قالوا واغترف من الماء غرفة ثم ذكر عطش الحسين ( ع ) فرمى بها وقال :


يا نفس من بعد الحسين هوني = وبعده لا كنت ان تكوني

هذا الحسين وارد المنــون = وتشربين بارد المعــين(2)

هذا هو المصدر الرئيس للخبر ، وقد ذكره في البحار بعنوان في بعض تأليفات اصحابنا .

الموجود هو وصف المؤرخين لحالة أبي الفضل العباس وهو ليس سوى وصف ظاهري ، للواقعة من دون أن يعلم الراوي عما كان يعتلج في نفس العباس حينئذ .كما أنه لم يرد ذلك في نص روائي معتبر عن المعصوم حتى يفيدنا علما بالموضوع .

يضاف إلى ذلك أن الذكر حينئذ لا يلزم منه الغفلة قبله . خصوصا وأن للذكر مراتب تتفاوت شدة وضعفا .

كما أنه يمكن على فرض صحة الوصف وكشفه عن حالة أبي الفضل سلام الله عليه ، أن يقال بأن العباس الذي قد قدم لتوه من عمل عسكري ضخم حيث اخترق الصفوف حتى وصل إلى المشرعة وأزال عنها أربعة آلاف فارس ـ كما نقلوا ـ على رأسهم عمرو بن الحجاج الزبيدي ونزل إلى شاطيء الفرات ، وهنا قد يكون الأمر على نحو الحركة اللاشعورية التي تحدث للظاميء والعطشان عندما يرى الماء فإنه يسارع إليه ، في رد فعل سريع لرؤيته ، ويملأ كفه ، لكن مع أدنى توجه إلى تلك الحركة اللاشعورية ، يقوم أبو الفضل بسكب الماء مرة أخرى ويمتنع عن الشرب .

ويا بعد ما بين الشطر الأول والشطر الثاني من السؤال ، فإن الأول يستكثر على أبي الفضل تلك الحركة اللاشعورية للظاميء بينما يطالبه الشطر الثاني بأن يشرب الماء وأن يلتذ به !!

والجواب عليه : أما حكاية المحافظة على النفس ، والنجاة من الموت ، فلم يعلم أن أبا الفضل عليه السلام كان قد بلغ به العطش مبلغا يؤدي إلى إنهاء حياته حتى يجب المحافظة عليها بشرب الماء ، وذلك أننا رأيناه يقاتل بعد ذلك قتال الأبطال لفترة غير قصيرة ، ومن حاله هكذا لم يكن ليهلكه العطش .

وأما أنه لماذا لم يشرب حتى يتقوى على قتال الأعداء ، فإضافة إلى الجواب السابق ، نقول هؤلاء قوم ليس مشروعهم في الحياة ، البقاء , وإنما مشروعهم تقديم النموذج الايماني والأخلاقي العالي . حتى تأتي الأجيال (3)وتقتدي بهم في إيمانها ، وصمودها ، ودفاعها . وإلا فما قيمة شربة ماء لن تقدم أو تؤخر في الصورة النهائية للمعركة ؟ إنما قيمة الامتناع عنها هي التي تؤسس معنى في الإيثار ، والأخوة لم يسبق له نظير .

إن الموقف الذي يطالب السائل هو الموقف الذي يلتزم به أكثر الناس ، في هذه المواقف حيث لا يقدّمون في مضمار سباق القيم ، والحاجات الشخصية إلا الثانية . لكن أهل البيت عليهم السلام ومن تأثر بهم يريدون أن يرفعوا الانسان إلى سماء أخرى ، ذات آفاق أرحب . لا سيما في كيفية العلاقة مع الأئمة والقادة .



1 - العجيب أن القندوزي في ينابيع المودة ج 3 قد نقل الحادثة عن أبي مخنف كما يفترض لكن مع شيء من التغيير ، أنهم حفروا بئرا ، فصادفتهم صخرة ثم أخرى فصادفتهم صخرة أخرى كذلك ، فقال لأخيه امض قال له : " امض الى الفرات وآتينا الماء " ، فقال : " سمعا وطاعة " ، فضم إليه الرجال ، فمنعهم جيش عمر بن سعد ، فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الاعداء حتى كشفهم عن المشرعة ، ودفعهم عنها ، ونزل فملا القربة ، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته فنفض الماء من يده وقال : " والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين " وأنشأ يقول ... إلخ .. يقول ضم إليه الرجال مع أنه في هذه الحملة لم يكن مع الحسين غير أبي الفضل كما تذكر الروايات التاريخية ، ولعل القندوزي اشتبه عليه الأمر بين الحملة الأولى التي تمت في اليوم السابع حيث كان مع العباس عدد من الرجال وانتهت بأن جلبوا الماء للمخيم ،وبين الثانية التي كان فيها وحده واستشهد على إثرها .

2 - مقتل الحسين (ع)- أبو مخنف الازدي ص 179

3 - إننا نجد حتى الذين يقفون في طرف المنافسة أو العداء ، لا يملكون أنفسهم من الاعجاب بمواقف أهل البيت في كربلاء ، فهذا مصعب بن الزبير ، كما قيل لما أراد قتال عبد الملك بن مروان ، بلغ الحائر فوقف على قبر الحسين فقال : يا أبا عبد الله أما والله لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك ، ثم قال :


وإن الألى بالطف من آل هــاشم = تآسوا فسنوا للكرام التأسيــا

تم الموضوع بحمد الله

تحياتي المحايد

اليقين
10-02-2008, 12:27 AM
اللهم صل على محمد و آل محمد

شكرا على هذا الجهد الكبير اخي المحايد


أختكم اليقين

المحايد
10-02-2008, 12:28 PM
و عليكم السلام

العفو أختي

تحياتي المحايد

الشبـل
10-02-2008, 12:48 PM
مشكور أخوي المحايد

موضوعك جداً ممتاز وجميل

وهذه الأسئلة قد تواجهنا في اي وقت ومن اي شخص

الله يجعله في ميزان حسناتك

تحياتي.,.,.,.,.,.,.,.,الشبل.,.,.,.,.,.,.,.,.

المحايد
11-02-2008, 01:07 AM
و عليكم السلام

مرورك أسعدني أخي الشبل

تحياتي المحايد

BIKOO
22-02-2008, 12:08 PM
اللهم صل وسلم على السيدة الطاهرة وعلى أبيها وبعلها وبنيها والعن اللهم ظالميها

الله يرضى عليك أستاذي المحايد

وحشرك الله في ركب محمد وآل محمد صلوات الله عليهم

المحايد
23-02-2008, 08:27 PM
و عليكم السلام

أخي BIKOO

شرفني تواجدك

تحياتي المحايد